للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

قال الضحاك: " هذا في شأن الخمر حين حرِّمت، سألوا نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إخواننا الذين ماتوا وهم يشربونها؟ فأنزل الله تعالى ذكره هذه الآية" (١).

قال الوليد: "سمعت شيخا من شيوخنا ممن قد سمع العلم يقول في تفسير هذه الآية: {وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا}، من الخمر قبل تحريمها" (٢).

قال ابن عطية: " وهذا نظير سؤالهم عمن مات على القبلة الأولى، ونزلت: {وما كان الله ليضيع إيمانكم} [البقرة: ١٤٣]، ولما كان أمر القبلة خطيرا ومعلما من معالم الدين تخيل قوم نقص من فاته، وكذلك لما حصلت الخمر والميسر في هذا الحد العظيم من الذم، أشفق قوم وتخيلوا نقص من مات على هذه المذمات، فأعلم تعالى عباده أن الذم والجناح إنما يلحق من جهة المعاصي، وأولئك الذين ماتوا قبل التحريم لم يعصوا في ارتكاب محرم بعد بل كانت هذه الأشياء مكروهة لم ينص عليها بتحريم، والشرع هو الذي قبحها وحسن تجنبها، و «الجناح» الإثم والحرج، وهو كله الحكم الذي يتصف به فاعل المعصية والنسبة التي تترتب للعاصي، و {طعموا}، معناه: ذاقوا فصاعدا في رتب الأكل والشرب، وقد يستعار للنوم وغيره وحقيقته في حاسة الذوق" (٣).

وأصل لفظة"طعموا" في الأكل، يقال: طعم الطعام وشرب الشراب، لكن قد تجوز في ذلك فيقال: لم أطعم خبزا ولا ماء ولا نوما، قال بشر بن أبي حازم (٤):

نعاما بوجرة (٥) صفر الخدو ... د لا تطعم النوم إلا صياما


(١) أخرجه الطبري (١٢٥٣٦): ص ١٠/ ٥٨٢.
(٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٧٨١): ص ٤/ ١٢٠٢.
(٣) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٣٤.
(٤) البيت له في التمهيد لما في الموطأ من المعاني والاسانيد: ٢/ ٣٨، وبلا نسبة في تفسير القرطبي: ٦/ ٢٩٦، والدر المصون: ١/ ٣٩١.
(٥) وجرة: موضع بين مكة والبصرة، يقول الشاعر: هي صائمة منه لا تطعمه، وروى في اللسان (لا تطعم الماء) وقال: وذلك لان النعام لا ترد الماء ولا تطعمه. وقبله:
فأما بنو عامر بالنار ... غداة لقونا فكانوا نعاما.

<<  <  ج: ص:  >  >>