قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ أَنّ الْعَرَبَ تَقُولُ فُمّ فِي مَوْضِعِ ثُمّ يُبْدِلُونَ الْفَاءَ مِنْ الثّاءِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي وَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ قَالَ قَالَ عُبَيْدُ [بْنُ عُمَيْرٍ] : فَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ــ
أَوّلُ مَا بُدِئَ بِهِ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ النّبُوءَةِ:
فَصْلٌ وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ: مَا بُدِئَ بِهِ النّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ النّبُوءَةِ إذْ كَانَ لَا يَمُرّ بِحَجَرِ وَلَا شَجَرٍ إلّا قَالَ السّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ الله١ وَفِي مُصَنّفِ التّرْمِذِيّ وَمُسْلِمٍ أَيْضًا أَنّ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ "إنّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكّةَ كَانَ يُسَلّمُ عَلَيّ قَبْلَ أَنْ يُنَزّلَ عَلَي" وَفِي بَعْضِ الْمُسْنَدَاتِ زِيَادَةُ أَنّ هَذَا الْحَجَرَ الّذِي كَانَ يُسَلّمُ عَلَيْهِ هُوَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ، وَهَذَا التّسْلِيمُ الْأَظْهَرُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً وَأَنْ يَكُونَ اللهُ أَنْطَقَهُ إنْطَاقًا كَمَا خَلَقَ الْحَنِينَ فِي الْجِذْعِ٢ وَلَكِنْ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْكَلَامِ الّذِي هُوَ صَوْتٌ وَحَرْفٌ الْحَيَاةُ وَالْعِلْمُ وَالْإِرَادَةُ لِأَنّهُ صَوْتٌ كَسَائِرِ الْأَصْوَاتِ وَالصّوْتُ عَرَضٌ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ وَلَمْ يُخَالِفْ فِيهِ إلّا النّظّامُ فَإِنّهُ زَعَمَ أَنّهُ جِسْمٌ وَجَعَلَهُ الْأَشْعَرِيّ اصْطِكَاكًا فِي الْجَوَاهِرِ بَعْضُهَا لِبَعْضِ وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الطّيّبِ لَيْسَ الصّوْتُ نَفْسَ الِاصْطِكَاكِ وَلَكِنّهُ مَعْنًى زَائِدٌ عَلَيْهِ وَلِلِاحْتِجَاجِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَلَهُمَا مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا، وَلَوْ قَدّرْت الْكَلَامَ صِفَةً قَائِمَةً بِنَفْسِ الْحَجَرِ وَالشّجَرِ وَالصّوْتُ عِبَارَةً عَنْهُ لَمْ يَكُنْ بُدّ مِنْ اشْتِرَاطِ الْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ مَعَ الْكَلَامِ وَاَللهُ أَعْلَمُ أَيّ ذَلِكَ كَانَ أَكَانَ كَلَامًا مَقْرُونًا بِحَيَاةِ وَعِلْمٍ فَيَكُونُ الْحَجَرُ بِهِ مُؤْمِنًا، أَوْ كَانَ صَوْتًا مُجَرّدًا غَيْرَ مُقْتَرِنٍ بِحَيَاةِ؟ وَفِي كِلَا الْوَجْهَيْنِ هُوَ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النّبُوءَةِ٣ وَأَمّا حَنِينُ الْجِذْعِ فَقَدْ سُمّيَ حَنِينًا، وَحَقِيقَةُ الْحَنِينِ يَقْتَضِي شَرْطَ الْحَيَاةِ وَقَدْ يَحْتَمِلُ تَسْلِيمَ الْحِجَارَةِ أَنْ يَكُونَ مُضَافًا فِي
١ فِي "التِّرْمِذِيّ" و"الدَّارمِيّ": قَالَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ: كنت مَعَ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّة فخرجنا فِي بعض نَوَاحِيهَا, فَمَا استقبله جبل وَلَا شجر أَلا وَهُوَ يَقُول: السَّلَام عَلَيْك يَا رَسُول الله, وروى مثله الطَّبَرَانِيّ فِي "الْوسط", وَفِيه مَجْهُول.٢ ورد حنين الْجزع فِي حَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ.٣ لَيْسَ لأحد أَن يتَكَلَّم عَن حَقِيقَة مثل هَذَا, فَالله وَحده هُوَ أعلم بِالْحَقِيقَةِ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.