جَابِر بن عبد الله الأنْصَاري، والآخَر مِنْ ثَقِيْف، فَكُتِبَ به إلى عبدِ الله بن عَامِر فيما يُكْتَبُ به مِنْ الأخبار، فَأَقْبَلَا يَسِيْرَان، حتى إذا كَانَا بِنَاحِيةِ البَصْرة قال الأنصَاريُّ للثَقَفِيُّ: هَلْ لكَ في رَأْيٍ رَأيتُه؟ قال: اعْرِضْهُ، قال: رأيتُ أَنْ نُنِيخَ رَواحِلَنا ونَتَناَوَل مَطَاهِرَنا فَنَمَسُّ مَاءً، ثُم نُصَلِّي رَكْعَتَين، ونَحْمَدُ اللهَ عَلى ما قَضَى مِنْ سَفَرِنا، قال: هذا الذي لا يُرَدُّ، فَتَوَضَّئَا ثم صَلَّيَا رَكعتَين رَكْعَتَين، فَالْتَفَت الأَنْصَارِيُّ إلى الثَقَفِيُّ فقال: يا أَخَا ثَقِيْف مَا رَأْيُكَ؟ قال: وأَيُّ مَوْضِع رَأي هَذا؟ قَضَيتُ سَفَري وأَنْصَبْتُ بَدَنِي وأَنْضَيْتُ رَاحِلَتِي ولا مُؤَمَّل دُونَ ابنِ عَامِر، فَهل لَك رَأيٌ غَير هَذا؟ قال: نعم، إني لَمَّا صَلَّيتُ هَاتَين الرَكْعَتَين فَكَّرتُ فَاسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي تَعَالى أَنْ يَرانِي طَالبًا رِزْقًا مِنْ غَيرهِ، اللهُمَّ رَازق ابنِ عَامِر ارْزُقْنِي مِنْ فَضْلِك، ثُم وَلَّى رَاجِعًا إلى المَدِينة، ودَخَل الثَقَفِيُّ البَصْرَة، فَمَكَثَ أَيَّامًا، وأَذِنَ لَه ابنُ عَامِر، فَلَمَّا رَآه رَحَّبَ به، ثم قال: ألم أُخْبَر أَنَّ ابنَ جَابِر خَرَج مَعَك؟ فَخَبَّرَهُ خَبَرَهُ، فَبَكى ابنُ عَامِر، ثم قال: أَمَا واللهِ مَا قَالها أَشَرًا ولا بَطَرًا، ولَكِن رَأى مَجْرى الرِزْقَ ومَخْرَج النِعْمَة، فَعَلِمَ أَنَّ اللهَ الذي فعل ذلك، فَسَألَه مِنْ فَضْلِه، فَأمَر للثَقَفِيِّ بِأَرْبَعَةِ آلَاف دِرْهَم وكِسْوَة وطُرَفٍ، وأَضْعَفَ ذَلِك كُلَّه للأنْصَارِي، فَخَرج الثَقَفِيُّ وهو يقول:
أُمَامَةُ مَا حِرْصُ الحَريْصِ بِزائِدِي … فَتيلًا ولا زُهْدُ الضَّعِيفِ بِضَائِرِي خَرَجْنَا جَمِيْعًا مِنْ مَسَاقِطِ رُؤُسِنَا … عَلى ثِقَةٍ مِنَّا بِخَير ابْنِ عَامِرِ
فَلَمَّا أَنَخْنَا النَّاعِجَاتِ بِبابِه … تَأخَّرَ عَنِّي اليَثْرِبيُّ ابنُ جَابرِ وقال: سَتَكْفِيْنِي عَطِيَّةُ قَادِرٍ … على مَا يَشَاءُ اليَوْمَ بالْخَلْقِ قَاهِرِ
وإنَّ الذِي أَعْطَى العِرَاقَ ابنَ عَامِرٍ … لَرَبِّي الذِي أَرْجُوا لِسَدِّ مَفاقِرِي
فَلَمَّا رَآنِي سَألَ عَنهُ صَبَابةً … إِلَيْهِ كَمَا حَنَّتْ طِرابُ الأبَاعِرِ
فَأُضْعِفَ عَبْدُ اللهِ إذْ غَابَ حَظُّه … عَلَى حَظِّ لَهْفَانٍ مِنَ الحِرصِ فَاغِرِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.