قال الله تعالى فيه:{لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} الآية [يونس: ٢٦]، وقوله:{هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ}[الرحمن: ٦٠] وقوله: {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}[البقرة: ١٩٥].
ولمّا تكرّر الإحسان في القرآن، وترتّب عليه هذا الثواب العظيم، سأل عنه جبريل النبيّ -صلى الله عليه وسلم-، فأجابه ببيانه؛ ليعمل الناس عليه، فيحصل لهم هذا الحظّ العظيم. انتهى (١).
(قَالَ) -صلى الله عليه وسلم- (أَنْ تَعْبُدَ اللَّه)"أن" مصدريّة، والجملة في تأويل المصدر خبر لمحذوف: أي هو عبادة الله تعالى (كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنَّكَ إن لا تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ) ولفظ مسلم: "فإن لم تكن تراه، فإنه يراك".
قال في "الفتح": أشار في الجواب إلى حالتين، أرفعهما أن يغلب عليه مشاهدة الحق بقلبه، حتى أنه يراه بعينه، وهو قوله:"كأنك تراه": أي وهو يراك، والثانية أن يستحضر أن الحق مُطّلِع عليه، يَرَى كل ما يعمل، وهو قوله:"فإنه يراك"، وهاتان الحالتان يثمرهما معرفة الله، وخشيته، وقد عبر في رواية عمارة بن القعقاع بقوله:"أن تخشى الله كأنك تراه"، وكذا في حديث أنس -رضي الله عنه-.
وقال النووي: معناه إنك إنما تراعي الآداب المذكورة، إذا كنت تراه ويراك؛ لكونه يراك، لا لكونك تراه، فهو دائما يراك، فأحسن عبادته، وإن لم تره، فتقدير الحديث: فإن لم تكن تراه، فاستمر على إحسان العبادة، فإنه يراك، قال: وهذا القدر من الحديث أصل عظيم، من أصول الدين، وقاعدة مهمة من قواعد المسلمين، وهو عمدة الصديقين، وبغية السالكين، وكنز العارفين، ودأب الصالحين، وهو من جوامع الكلم التي أوتيها -صلى الله عليه وسلم-، وقد ندب أهل التحقيق إلى مجالسة الصالحين؛ ليكون ذلك مانعا من التلبس بشيء من النقائص؛ احتراما، واستحياء منهم، فكيف بمن لا يزال الله مطلعا