ثُمَّ قُلْتَ: فَتَأْوِيلُ الحِجَابِ فِي هَذَا الحَدِيث مِثْلُهُ فِي الحَدِيثِ الأوَّل: هِيَ الدِّلَالَاتُ الَّتِي ذَكَرَهَا، وَعَلَى أَنَّ الدِّلَالَاتِ كَشْفٌ عَنِ الشَّيْءِ، لَا حِجَابٌ وَغِطَاءٌ.
ثُمَّ قُلْتَ: فَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ: «لَوْكَشَفَهَا لَأَحْرَقَتْ سُبُحاتُ وَجْهِهِ»، لَوْ كَشَفَ تِلْكَ النَّارَ؛ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ ذَلِكَ العِلْمَ الدَّالَّ عَلَيْهِ.
قُلْتَ: وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ «سُبُحَاتُ وَجْهِهِ»، سُبُحَاتُ وَجْهِ ذَلِكَ العِلْمِ، وَذَلِكَ العِلْمُ وَجْهٌ يُتَوَجَّهُ بِرُؤْيَتِهِ إِلَى مَعْرِفَةِ الله، كَقَوْلِهِ: {فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: ١١٥] قُلْتَ: قِبْلَةُ الله.
فيُقال لِهَذَا المُعَارِضِ: نَرَاكَ قَدْ كَثُرَتْ لَجَاجَتُكَ فِي رَدِّ هَذَا الحَدِيثِ، إِنْكَارًا مِنْكَ لِوَجْهِ الله تَعَالَى؛ إِذْ تَجْعَلُ مَا أَخْبَرَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بلسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ مَعْقُولٍ فِي سِيَاقِ اللَّفْظِ، أَنَّهُ وَجْهُ الله نَفْسُهُ، فَجَعَلْتَهُ أَنْتَ وَجْهَ العِلْمِ، وَوَجْهَ القِبْلَةِ، وَإِذْ قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «حِجَابُ اللهِ النَّار، لَوْ كَشَفَهَا عَن وَجهه لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ كُلَّ شَيْءٍ أدْركهُ بَصَرُهُ» فَإِن لَمْ تَتَحَوَّلِ العَرَبِيَّةُ عَنْ مَعْقُولِهَا؛ إنَّه لَوَجْهٌ حَقًّا كَمَا أَخْبَرَ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، ولو كانت سُبُحَاتُ وُجُوهِ الأَعْلَامِ لَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: حِجَابُهُ النَّارُ، لَوْ كَشَفَهَا لَأَحْرَقَتِ النَّارُ سُبُحَاتِ وُجُوهِ الخَلْقِ كُلِّهَا، وَمَا بَالُ تِلْكَ النَّارِ تَحْرِقُ مِنَ العِلْمِ سُبُحَاتِهِ، وَتَتْرُكُ سَائِرَهُ؟!
وَإِنَّمَا تَفْسِيرُ السُّبُحَاتِ: الجَلَالُ، وَالنُّورُ فَأَيُّ نُورٍ لِوَجْهِ الخَلْقِ حَتَّى تَحْرِقَهَا النَّارُ مِنْهُمْ؟ وَمَا لِلنَّارِ تَحْرِقُ مِنْهُمْ سُبُحَاتِهِمْ بَعْدَ أَنْ يَكْشِفَهَا اللهُ عَنْ وَجْهِهِ، وَلَا تَحْرِقُهَا قَبْلَ الكَشْفِ؟ فَلَوْ قَدْ أَرْسَلَ الله مِنْهَا حِجَابًا وَاحِدًا لَأَحْرَقَتِ الدُّنْيَا كُلَّهَا، فَكَيْفَ سُبُحَاتُ وُجُوهِ الخَلْقِ؟
وَيْحَكَ! إِنَّ هَذَا بيِّن، لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَفْسِيرٍ، إِنَّمَا نَقُولُ: احْتَجَبَ الله بِهَذِهِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.