ثُمَّ لَم تَأْنَف مِنْ هَذَا التَّأْوِيلَ حَتَّى ادَّعَيْتَ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّهُمْ يُفَسِّرُونَ ضَحِكَ الله عَلَى مَا يَعْقِلُونَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَهَذَا كَذِبٌ تَدَّعِيهِ عَلَيْهِمْ؛ لأنَّا لَمْ نَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يُشَبِّهُ شَيْئًا مِنْ أَفْعَالِ الله تَعَالَى بِشَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِ المَخْلُوقِينَ، ولكنَّا نَقُولُ: هُوَ نَفْسُ الضَّحِكِ، يَضْحَكُ كَمَا يَشَاءُ، وَكَمَا يَلِيقُ بِهِ، وَتَفْسِيرُكَ هَذَا مَنْبُوذٌ فِي حشِّكَ.
ثُمَّ فَسَّرْتَ الضَّحِكَ تَفْسِيرًا أَوْحَشَ مِنْ هَذَا أَيْضًا فَقُلْتَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ضَحِكُهُ أَنْ يَبْدُوَ لَهُ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ ضَاحِكًا يَأْتِيهِمْ مُبَشِّرًا وَمُغِيثًا وَدَلِيلًا إِلَى الجَنَّةِ.
وَيْحَكَ أَيُّهَا المُعَارِضُ! أَلَا تَسْمَعُ مَا فِي حَدِيثِكَ الَّذِي رَوَيْتَهُ، وَثَبَتَّهُ عَنْ أَبِي رَزِينٍ قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَيَضْحَكُ رَبُّنَا؟ قَالَ: نَعَمْ»، وَلَمْ يَقُلْ: أَيَخْلُقُ الله خَلْقًا يَضْحَكُ، ثُمَّ قَالَ: «لَا نَعْدَمُ مِنْ رَبٍّ يَضْحَكُ خَيْرًا»، وَلَمْ يَقُلْ: لَا نَعْدَمُ مِنْ رَبٍّ يَخْلُقُ الضَّاحِكَ، فَهَذَا فِي نَفْسِ حَدِيثِكَ لَوْ قَدْ عَقِلْتَهُ، وأنَّي لَكَ العَقْلُ مَعَ هَذَا التَّخْلِيطِ؟
وادَّعَيْتَ أَيْضًا تَفْسِيرًا لِلضَّحِكِ أَبْعَدَ مِنْ هَذَا مِنَ الحَقِّ وَالمَعْقُولِ؛ فَزَعَمْتَ أنَّ اللهَ يَضْحَكُ مِنْ رَجُلٍ، أَوْ مِنْ شَيْءٍ تُفَسِّرُهُ أَنَّهُ يُضْحِكُهُ وَيَسَرُّهُ، فَذَلِكَ ضَحِكُ اللهِ تَعَالَى عَلَى النِّسْبَةِ، يَعْنِي أَنَّ الخَلْقَ وَضَحِكَهُمْ وَكَلَامَهُمْ لله.
فيُقَالُ لَكَ أَيُّهَا المُعَارِضُ: إِذَا تَحَوَّلَتِ العَرَبِيَّةُ إِلَى لُغَتِكَ، وَلُغَاتِ أَصْحَابِكَ؛ جَازَ فِيهَا أَنْكَرُ مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ، وَأَفْحَشُ مِنْ هَذَا التَّفْسِيرِ، وَهَذَا أَيْضًا بيِّنٌ فِي نَفْسِ حَدِيثِكَ الَّذِي رَوَيْتَهُ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قَالَ لَهُ: «أيَضْحَكُ رَبُّنَا يَا رَسُولَ الله؟»، وَلَمْ يَقُلْ: أيُضْحِكُ رَبُّنَا، وَلَوْ قَالَ كَذَلِكَ لَكَانَ جَاهِلًا؛ إِذْ سَأَلَ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أيُضْحِكُ الرَّبُّ الخَلْقَ؟ وَقَدْ قَرَأَ فِي كِتَابِ الله تَعَالَى: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣)} [النجم: ٤٣].
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.