وقوله تعالى:{أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ}"أم" بمعنى "بل"، أو يضمَرُ فيه ألفُ الاستفهام، ثمَّ يُعطَفُ عليه بـ "أم" كما مرَّ.
والحسدُ: تمني زوالِ النِّعمة؛ أي (١) نعمةِ الغير إليه، وهو استفهامٌ بمعنى الإنكار، ومعناه: إن كانوا يَحسُدون المؤمنين، فيُفضِّلون عليهم المشركين بقولهم: هم أهدى منهم سبيلًا.
وقوله تعالى:{عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}؛ يعني: مِن الدِّينِ الحقِّ، والكتابِ الصِّدق، فلا معنى لحسَدِهم؛ لأنَّ الحسدَ إنَّما ينبغي أنْ يقعَ في الشَّيء (٢) الموضوعِ في غير موضع استحقاقِه، وليس كذلك.
وقوله تعالى:{فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}؛ أي: بيانَ الكتابِ، وآلُ إبراهيمَ (٣): أولادُه، وهم مُقِرُّون بذلك (٤)، وقائلون باستحقاقِهم ذلك، ومحمَّدٌ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِن أولادِه، فلِم يُنكِرون ذلك فيه، ولا يُنكِرون في بني إسرائيل، وهم مِن ولدِه.
وقال ابنُ عبَّاسٍ رضي اللَّه تعالى عنهما:{النَّاسَ}: محمَّدٌ -صلى اللَّه عليه وسلم- وحدَه (٥)، وذلك أنَّ اليهودَ قالوا: ما شأنُ محمَّدٍ، أُعطي النُّبوَّةَ بزعمِه وهو جائعٌ عارٍ، لا همَّ له إلَّا نكاحُ النِّساء، فحسدوه بنكاحِ النِّساء، وأحلَّ اللَّهُ له منهنَّ ما شاء أنْ ينكحَ، فذلك قوله تعالى:{عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}، فالحكمةُ: النُّبوَّة.
(١) قوله: "النعمة أي" من (ف). (٢) في (أ): "المعنى". (٣) بعدها في (أ): "هو". (٤) بعدها في (أ): "هم". (٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٧/ ١٥٤).