وفي الثانية اسمٌ بمعنى: الذي، تقديرُه: أين الذي كنتُم تَدعون؟ فكان اسمًا مستقلًّا بنفسِه، فلم يوصَل بغيرِه.
و {تَكُونُوا} جُزِمَ بالشَّرط، و {يُدْرِكْكُمُ} جُزِمَ لأنَّه جزاءُ الشَّرط، يقول: حيثُما كنتُم أدركَكمُ الموتُ، وهو تحريضٌ على الجهاد أيضًا؛ أي: ليس التَّخلُّف عن الجهاد بدافعٍ للموت، وإذا أدرككم الموتُ (١) لا محالة، فالموتُ في الجهاد (٢) أنفعُ وأرفع.
وقال الكلبيُّ: لمَّا قال المنافقون في شهداء أُحُد: لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، أنزل اللَّهُ تعالى هذه الآيةَ (٣).
وقيل: هو جوابُ قولهم: {لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ} الآية.
وقوله تعالى:{وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} البرجُ: الحصنُ، وقيل: القصرُ، وقيل: البناءُ العالي، وقيل: هنَّ بروجُ السَّماء الاثني عشر. وهذا قول الرَّبيع بن أنس والسُّدِّيِّ (٤)، قال تعالى:{وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ}[البروج: ١].
وقوله:{مُشَيَّدَةٍ} قرأ مجاهدٌ بفتح الميم وتخفيف الياء (٥)؛ كما في قوله:{وَقَصْرٍ مَشِيدٍ}[الحج: ٤٥]، وقراءةُ العامَّة:{مُشَيَّدَةٍ} بضمِّ الميم وتشديد الياء (٦)،
(١) بعدها في (ر): "أدرككم". (٢) من قوله: "أيضًا أي ليس التخلف" إلى هنا ليس في (ف). (٣) ذكره الواحدي في "أسباب النزول" (ص: ١٦٠) من طريق أبي صالح عن ابن عباس رضي اللَّه عنه. (٤) نص قول الربيع: ولو كنتم في قصور في السماء، ونص قول السدي: وهي قصور بيض في السماء الدنيا مبنية. انظر: "تفسير الطبري" (٧/ ٢٣٦ - ٢٣٧). (٥) ذكرها الكرماني في "شواذ القرآن" له (ص: ١٣٨) عن زيد بن علي. (٦) من قوله: "كما في قوله: {وَقَصْرٍ مَشِيدٍ} " إلى هنا ليس في (أ).