ثمَّ باعوا أنفسَهم منه في آخر أمرهم طلبًا للطَّعام، فصاروا بأجمعِهم عبيدًا له، ثمَّ إنَّهم لمَّا مَلَكَهم مَنَّ عليهم فأعتقَهم، فلئِنْ مرَّ عليه يومٌ بمصرَ نُوديَ عليه بالبيع، أصبحَ بمصرَ يومًا آخر وقد ملكَ جميعَ أملاكِهم وملكَ رقابَ جميعِهم، فيومٌ بيومٍ، قال اللَّه تعالى:{إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}[الشرح: ٦]، يومانِ شتَّانَ ما بينهما. ثمَّ إنَّه أعتقَ جميعَهم، وكذا الكريم إذا قدرَ غفرَ.
{وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ}: أنَّ مَن حسدَه أرادَ ألَّا يكون له فضلٌ عليهم في ذاتِ نفسِه على إخوتِه وذويه، وأرادَ اللَّه تعالى أن يكون له ملكُ الأرض، فكان ما أرادَ اللَّهُ تعالى لا ما أرادَ حسَّادُهُ، قال اللَّه تعالى:{وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ}.
وأرادوا أن يكونَ يوسفُ عبدًا لمنْ باعوه منه مِن السَّيَّارة، واللَّهُ أرادَ أن يكون عزيزًا بمصرَ، فكان ما أرادَ اللَّهُ تعالى دونَ ما أرادوا (١)، فاللَّه غالبٌ على أمرِه (٢).
(١) "دون ما أرادوا" ليس في (أ) و (ف) و"اللطائف". (٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٧٦). (٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٦٨) عن الضحاك. وروى (١٣/ ٦٧) عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما قوله: بضعًا وثلاثين.