فَيَقُوْلُ زَيْدٌ بِاليَاءِ وَإِنَّمَا هُوَ زَنْدٌ بِالنُّوْنِ وَهُوَ كُوْفِيّ أَسْوَدُ مَوْلًى لِبَنِي أَسَدٍ وَكَانَ أَبُوْهُ عَبْدًا لِرَجُلٍ مِنْهُمْ يُقَال لَهُ قُصَاقِص وَلَهُ أَيْضًا شِعْرٌ وَكَانَ مِنَ الصَّحَابَةِ فَأَعْتَقَهُ وَأَدْرَكَ آخِرَ أَيَّامِ بَنِي أُمَيَّةَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ في أَيَّامِهِمْ نَبَاهَةٌ وَنَبَغَ في أَيَّام بَنِي العَبَّاسِ فَانْقَطَعَ إِلَى أَبِي العَبَّاسِ السَّفَاحِ وَأَبي جَعْفَر المَنْصُوْرِ وَالمَهْدِيّ وَكَانُوا يُفَضلُوْنَهُ وَيُقَدِّمُوْنَهُ وَيَسْتَطِيْبُوْنَ مُجَالَسَتِهِ وَنَوَادِرِهِ. وَقَدْ كَانَ انْقَطَعَ إِلَى رَوْحِ بن حَاتِمٍ المُهَلَّبِيّ أَيْضًا في بَعْضِ أَيَّامِهِ وَلَمْ يَصِلْ إِلَى أَحَدٍ مِنَ الشُّعُرَاءِ مَا وَصَلَ إِلَى أَبِي دُلَامَةَ مِنَ المَنْصوْرِ خَاصَّةً وَكَانَ أَبُو دُلَامَةَ فَاسِدَ الدِّيْنِ رَدِيْءَ المَذْهَبِ مُرْتَكِبًا لِلْمَحَارِمِ مُضِيْعًا للفُرُوْجِ مُجَاهِرًا بذَلِكَ وَكَانَ يُعْلَمُ هَذَا مِنْهُ وَيُصْفَحُ عَنْهُ لِلُطْفِ مَحَلِّهِ. قَالَ مُحَمَّدُ بنُ حَبِيْبٍ وَتَكَنَّى أَبُو دُلَامَةَ بِجَبَلٍ بِمَكَّة يُقَال لَهُ أَبُو دُلَامَةَ كَانَتْ قُرَيْشٌ تَئِدُ فِيْهِ البَنَاتِ في الجاهِلِيَّةِ وَهُوَ بأَعْلَى مَكَّةَ. وَمِنْ نَوَادِرِهِ مَا حَدَّثَ الجاحِظُ قَالَ وَقَفَ أَبُو دُلَامَةَ بَيْنَ يَدَيّ المَنْصوْرِ أو السَّفَّاحِ فَقَالَ لَهُ سَلْنِي حَاجَتكَ قَالَ أَبُو دُلَامَةَ كَلْبَ صَيْدٍ قَالَ اعْطُوْهُ قَالَ وَغُلَامٌ يَقُوْدهُ وَيَصِيْدُ بِهِ قَالَ اعْطُوْهُ قَالَ وَجَارِيَةً تَصْلحُ لنَا الصَّيْدَ وَتُطْعِمُنَا مِنْهُ قَالَ اعْطُوْهُ قَالَ يا أَمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ هَؤُلَاءِ عِيَالٌ فَلَا بُدَّ مِنْ دَارٍ يَسْكُنُوْنَهَا قَالَ اعْطُوْهُ دَارًا تَجْمَعُهُمْ قَالَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ ضيْعَةٌ فَمِنْ أَيْنَ يَعِيْشُوْنَ قَالَ قَدْ أَقْطَعْتُكَ مِائَةَ جَرْيبٍ عَامِرَةٍ ومِائَةَ جَرْيبٍ غَامِرَةٍ قَالَ وَمَا الغَامِرَة قَالَ بِالإِنْبَاتِ فِيْهِ قَالَ قَدْ أَقْطَعْتكَ يا أَمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ مَهَب مِنْ فَيَافِي بَنِي أَسَدٍ فَضَحِكَ وَقَالَ اجْعَلُوا المِائَتَيْنِ كُلَّهَا عَامِرَةً قَالَ فأذِنْ لِي أَنْ أُقَبِّلَ يَدكَ قَالَ أَمَّا هَذِهِ فَدَعْهَا فَإِنِّي لَا أَفْعَلُ قَالَ وَاللَّهِ مَا مَنَعْتَ عَلَيَّ شَيْئًا أَقَلُّ ضَرَرًا عَلَيْهِمْ مِنْهَا. قَالَ الجاحِظُ أنْظُر إِلَى حَذْقِهِ في المَسْأَلَةِ ابْتَدَأَ بِكَلْبٍ فَسَهلَ العَطيَّةَ وَجَعَلَ يَأتِي بِمَا يَلِيْهِ عَلَى تَرْتِيْبٍ وَفُكَاهَةٍ حَتَّى نَالَ مَا لَوْ سَأَلَ بَدِيْهَةً لما وَصَلَ إِلَيْهِ. وَحَدِيْثُ أَبُو دُلَامَةَ قَالَ كَانَ لِي جَارٌ فَحضرْتهُ. . . فَطَرَقتْنِي امْرَأتهُ في بَعْضِ اللَّيْلِ فَقَالَتْ تَعَالَ اشْهَدْ عَلَى زَوْجِي بِمَا لِي عِنْدَهُ مِنْ فَضلِ. . . بمَا تَسْمعُهُ مِنْ لَفْظِهِ قَلْتُ وَيْحكِ أَنَا شَاعِرٌ وَأَنَا أَشْرَبُ الخَمْرَ وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مِثْلِي فَأَلْزَمَتْنِي ذَلِكَ فَدَخَلْتُ أَنَا وَآخرُ مِنْ أَهْلِ الشرب فَأشْهدنَا ثَمَّ أتى عَلَى القَاضِي ابن أَبِي لَيْلَى فَتَقَدَّمَ ذَلِكَ لِلرَّجُلِ فَشَهَدَ ثَمَّ دُعِيْتُ فَقَلْتُ أَصْلَحَ اللَّهُ القَاضِي إِنِّي قَلْتُ بَيْتَيْنِ فَاسمَعُهُمَا قَالَ قُلْ قَلْتُ: إِنِ النَّاسُ غَطُّوْني تَغَطيْتُ عَنْهُمُ. البَيْتَانِ قال: يا أَبَا دُلَامَةَ اكْتُبْ شَهَادَتكَ فَقَدْ أَجَزْتُهَا وَلَا تَعُدْ تَشْهَدُ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.