الْأَرْضِ} [إِبْرَاهِيمَ: ١] يَا لَهَا نِعْمَةً مَا أَعْظَمَهَا وَأَجَلَّهَا, وَمِنَّةً مَا أَكْمَلَهَا وَأَجْزَلَهَا {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [آلِ عِمْرَانَ: ١٦٤] أَكْمَلَ تِلْكَ النِّعْمَةَ وَأَتَمَّهَا وَزَادَهَا إِجْلَالًا بِكَوْنِ ذَلِكَ الرَّسُولِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ؛ يَعْرِفُونَ شَخْصَهُ وَنَسَبَهُ وَرَحِمَهُ, مَا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ مِنَ الْعَرَبِ إِلَّا وَلَهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِيهِمْ نَسَبٌ {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [الشُّورَى: ٢٣] ثُمَّ جَعَلَ الرِّسَالَةَ بِلِسَانِهِمُ الَّذِي بِهِ يَتَحَاوَرُونَ, وَمِنْ جِنْسِ كَلَامِهِمُ الَّذِي فِيهِ يَتَفَاخَرُونَ, مُعْجِزًا بِالْفَصَاحَةِ الَّتِي فِي مَيْدَانِهَا يَتَسَابَقُونَ بِأَوْضَحِ الْمَبَانِي وَأَفْصَحِهَا, وَأَكْمَلِ الْمَعَانِي وَأَصَحِّهَا, مَعَ اتِّسَاقِ سِيَاقِهِ وَسَلَاسَةِ أَلْفَاظِهِ, وَانْتِسَاقِ تَرَاكِيبِهِ وَمَلَاحَةِ مُفْرَدَاتِهِ.
ثُمَّ مَعَ هَذَا التَّالِي لَهُ مِنْ أَنْفُسِهِمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِمْ ثُمَّ هُوَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مُؤَدٍّ لِتِلْكَ الْأَمَانَةِ مُبَلِّغٌ كَلَامَ رَبِّهِ كَمَا قَالَ رَبُّ الْعِزَّةِ, لَمْ يَقُلْهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِالْمَعْنَى فَقَطْ بَلْ كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ} الضَّمِيرُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ, لِيَسْمَعُوا لَذِيذَ خِطَابِهِ, وَيَتَأَمَّلُوا لِطَيْفَ عِتَابِهِ {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص: ٢٩] {وَيُزَكِّيهِمْ} يُطَهِّرُهُمْ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا حِسًّا وَمَعْنًى لِمَنِ الْتَزَمَهُ وَاتَّبَعَهُ, أَمَّا قُلُوبُهُمْ فَيُزَكِّيهَا بِالْإِيمَانِ مِنْ دَنَسِ وَرِجْسِ الشِّرْكِ وَرِجْزِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} [الْحَجِّ: ٣٠] وَ {وَالرِّجْزَ فَاهْجُرْ} [الْمُدَّثِّرِ: ٥] وَكَذَا يُطَهِّرُهُمْ بِمَحَاسِنِ الْأَخْلَاقِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ مِنْ مَسَاوِئِهَا, وَكَذَا يُطَهِّرُهُمْ مِنْ جَمِيعِ الذُّنُوبِ بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ, وَكَذَا يُطَهِّرُ ظَوَاهِرَهُمْ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ وَأَرْشَدَهُمْ إِلَيْهِ مِنَ الطَّهَارَاتِ الْحِسِّيَّةِ مِنَ الْأَحْدَاثِ وَالْأَنْجَاسِ على اختلاف أضربها {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ} الْقُرْآنَ الْمَجِيدَ {وَالْحِكْمَةَ} السُّنَّةَ النَّبَوِيَّةَ الَّتِي هِيَ تِبْيَانُ الْقُرْآنِ وَتَفْسِيرُهُ وَتَوْضِيحُهُ, وَتَدُلُّ كما قال الله تَعَالَى لَهُ, صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النَّحْلِ: ٤٤] وَقَالَ النَّبِيُّ, صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أُوتِيتُ الْقُرْآنَ مِثْلَهُ" ١ يَعْنِي السُّنَّةَ.
{وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ} إِرْسَالِهِ إِلَيْهِمْ وَبَعْثِهِ فِيهِمْ {لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} مِنَ الشِّرْكِ وَعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ, وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ السُّبُلِ الْمُضِلَّةِ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ
١ أحمد "٤/ ١٣١" وأبو داود "٤/ ٢٠٠/ ح٤٦٠٤" في السنة، باب لزوم السنة، وإسناده صحيح.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.