رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ- وَاسْمُهُ عِمْرَانُ بْنُ مِلْحَانَ وَقِيلَ عِمْرَانُ بْنُ تَيْمٍ- قَالَ: كُنَّا نَعْبُدُ الْحَجَرَ، فَإِذَا وَجَدْنَا حَجَرًا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ أَلْقَيْنَاهُ وَأَخَذْنَا الْآخَرَ، فَإِذَا لَمْ نَجِدْ حَجَرًا جَمَعْنَا حَثْوَةً مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ جِئْنَا بِالشَّاءِ فَحَلَبْنَا عَلَيْهِ ثُمَّ طُفْنَا بِهِ فَإِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَجَبٍ قُلْنَا مُنْصِلُ الْأَسِنَّةِ، فَلَمْ نَدَعْ رُمْحًا فِيهِ حَدِيدَةٌ وَلَا سَهْمًا فِيهِ حَدِيدَةٌ إِلَّا نَزَعْنَاهَا فَأَلْقَيْنَاهُ. الْخَامِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: (ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) أَيِ الْحِسَابُ الصَّحِيحُ وَالْعَدَدُ الْمُسْتَوْفًى. وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:" ذلِكَ الدِّينُ" أَيْ ذَلِكَ الْقَضَاءُ. مُقَاتِلٌ: الْحَقُّ. ابْنُ عَطِيَّةَ: وَالْأَصْوَبُ عندي أن يكون الدين ها هنا عَلَى أَشْهَرِ وُجُوهِهِ، أَيْ ذَلِكَ الشَّرْعُ وَالطَّاعَةُ." الْقَيِّمُ" أَيِ الْقَائِمُ الْمُسْتَقِيمُ، مِنْ قَامَ يَقُومُ. بِمَنْزِلَةِ سَيِّدٍ، مَنْ سَادَ يَسُودُ. أَصْلُهُ قَيُّومٌ. السَّادِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) عَلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَاجِعٌ إِلَى جَمِيعِ الشُّهُورِ. وَعَلَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ إِلَى الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ خَاصَّةً، لِأَنَّهُ إِلَيْهَا أَقْرَبُ وَلَهَا مَزِيَّةٌ فِي تَعْظِيمِ الظُّلْمِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:" فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ" «١» [البقرة: ١٩٧] لَا أَنَّ الظُّلْمَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْأَيَّامِ جَائِزٌ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ. ثُمَّ قِيلَ: فِي الظُّلْمِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا لَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ بِالْقِتَالِ، ثُمَّ نُسِخَ بِإِبَاحَةِ الْقِتَالِ فِي جَمِيعِ الشُّهُورِ، قَالَهُ قَتَادَةُ وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: حَلَفَ بِاللَّهِ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّهُ مَا يَحِلُّ لِلنَّاسِ أَنْ يَغْزُوَا فِي الْحَرَمِ وَلَا فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ إِلَّا أَنْ يُقَاتَلُوا فِيهَا، وَمَا نُسِخَتْ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غزا هو ازن بحنين وثقيفا بالطائف، وحاصر هم فِي شَوَّالٍ وَبَعْضِ ذِي الْقِعْدَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي الْبَقَرَةِ. الثَّانِي «٢» - لَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ بِارْتِكَابِ الذُّنُوبِ، لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ إِذَا عَظَّمَ شَيْئًا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ صَارَتْ لَهُ حُرْمَةٌ وَاحِدَةٌ وَإِذَا عَظَّمَهُ مِنْ جِهَتَيْنِ أَوْ جِهَاتٍ صَارَتْ حُرْمَتُهُ مُتَعَدِّدَةً فَيُضَاعَفُ فِيهِ الْعِقَابُ بِالْعَمَلِ السَّيِّئِ كَمَا يُضَاعَفُ الثَّوَابُ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ. فَإِنَّ مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ فِي الشَّهْرِ الحرام في البلد الحرام ليس
(١). راجع ج ٢ ص ٤٠٤ فما بعد.(٢). راجع ج ٣ ص ٤٣.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.