نَزَلَتْ بِهَذَا السَّبَبِ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنَ الْأَقْوَالِ فَهِيَ بَاقِيَةٌ فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَوْجُودٌ حُكْمُهَا بَقِيَّةَ الدَّهْرِ. وَذَلِكَ أَنَّ الْفِتْنَةَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بَاقِيَةٌ فِي ثُغُورِ الْمُسْلِمِينَ بِالْأَسْرِ وَنِكَايَةِ الْعَدُوِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَإِذَا اعْتُبِرَ أَيْضًا كُلُّ مَوْضِعٍ فَفِيهِ ذَلِكَ بِالْأَمْرَاضِ وَأَنْوَاعِ الْمِحَنِ. وَلَكِنَّ الَّتِي تُشْبِهُ نَازِلَةَ الْمُسْلِمِينَ مَعَ قُرَيْشٍ هِيَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَمْرِ الْعَدُوِّ فِي كُلِّ ثَغْرٍ. قُلْتُ: مَا أَحْسَنَ مَا قَالَهُ، وَلَقَدْ صَدَقَ فِيمَا قَالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي مِهْجَعٍ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ كَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، رَمَاهُ عَامِرُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ:" سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ مِهْجَعٌ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ يُدْعَى إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ". فَجَزِعَ عَلَيْهِ أَبَوَاهُ وَامْرَأَتُهُ فَنَزَلَتْ" الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا" وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: نَزَلَ مُفْتَتَحُ هَذِهِ السُّورَةِ فِي أُنَاسٍ كَانُوا بِمَكَّةَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنِ الْحُدَيْبِيَةِ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْكُمْ إِقْرَارُ الْإِسْلَامِ حَتَّى تُهَاجِرُوا، فَخَرَجُوا فَأَتْبَعَهُمُ الْمُشْرِكُونَ فَآذَوْهُمْ. فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةِ:" الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا" فَكَتَبُوا إِلَيْهِمْ: نَزَلَتْ فِيكُمْ آيَةُ كَذَا، فَقَالُوا: نَخْرُجُ وَإِنِ اتَّبَعَنَا أَحَدٌ قَاتَلْنَاهُ، فَاتَّبَعَهُمُ الْمُشْرِكُونَ فَقَاتَلُوهُمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ قُتِلَ وَمِنْهُمْ مَنْ نَجَا فَنَزَلَ فِيهِمْ:" ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا"" وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ" يُمْتَحَنُونَ، أَيْ أَظَنَّ الَّذِينَ جَزِعُوا مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُقْنَعَ مِنْهُمْ أَنْ يَقُولُوا إِنَّا مُؤْمِنُونَ وَلَا يُمْتَحَنُونَ فِي إِيمَانِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ بِمَا يَتَبَيَّنُ بِهِ حَقِيقَةُ إِيمَانِهِمْ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) أَيِ ابْتَلَيْنَا الْمَاضِينَ كَالْخَلِيلِ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَكَقَوْمٍ نُشِرُوا بِالْمَنَاشِيرِ فِي دِينِ اللَّهِ فَلَمْ يَرْجِعُوا عَنْهُ. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ خَبَّابِ بْنِ الأرت: قالوا شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُتَوَسِّدُ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، فَقُلْنَا لَهُ: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ أَلَا تَدْعُو لَنَا فَقَالَ:" قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهَا فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ وَيُمَشَّطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ لَحْمُهُ وَعَظْمُهُ فَمَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرُ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ" وَخَرَّجَ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.