ولهذا انتصب لإقامة الدليل على حقيقتها في هذا المعنى، وأنها حقيق أن تحمل عليه في هذا المقام؛ لاقتضاء مدح الكتاب وكونه كاملاً في بابه.
والإمام لما رأى الدلالة منصوبة في كونها حقيقة في ملق الدلالة، انتصب لإبطال مذهبه؛ هربًا من الاشتراك إلى المجاز، وكأن الزجاج والواحدي ذهبًا إلى القول بالقدر المشترك بين المفهومين، ولكل وجهة هو موليها، والله أعلم.
والقول الجامع ما ذكره الراغب، قال:"الهداية دلالة بلطف، ومنه الهدية، وهو أدى الوحش: متقدماتها لكونها هادية لسائرها. وخص ما كان دلالة بـ "فعلت" نحو: هديته الطريق، وما كان من الإعطاء بـ" افتعلت" نحو: أهديت الهدية. وأما نحو قوله تعالى:(فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ)[الصفات: ٢٣] فعلى التهكم.
والهداية: هي الإرشاد إلى الخيرات قولاً وفعلاً، وهي من الله تعالى على منازل، بعضها يرتب على بعض، لا يصح حصول الثاني إلا بعد الأول، ولا الثالث إلا بعد الثاني.
فأولها: إعطاؤه العبد القوى التي بها يهتدي إلى مصالحه، إما تسخيراً وإما طوعًا؛ كالحواس الخمس، والقوة المفكرة، وعلى ذلك قوله تعالى:(أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى)[طه: ٥٠]، (وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى)[الأعلى: ٣].