واعلم أن للقاضي صاحب "الأنوار" تغمده الله بغفرانه كلاماً رفيعاً في هذا المقام، فلا بد من إيراده، قال: التقوى على ثلاث مراتب:
الأولى: التوقي عن العذاب المخلد بالتبرؤ عن الشرك، وعليه قوله تعالى:(وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى)[الفتح: ٢٦]، وقوله تعالى:(أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى)[الحجرات: ٣] وفي الشعراء: (قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ)[الشعراء: ١١].
والثانية: التجنب عن كل ما يؤثم من فعلٍ أو تركٍ، حتى الصغائر عند قومٍ، وهو المتعارف بالتقوى في الشرع، والمعنى بقوله:(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا)[الأعراف: ٩٦].
والثالثة: أن يتنزه عما يشغل سره عن الحق، ويتبتل بشراشره، وهو التقوى الحقيقي المطلوب بقوله:(اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ)[آل عمران: ١٠٢]، فعلى هذا قوله تعالى:(الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ) مترتبة على المرتبة الأولى ترتيب التحلية على التخلية، والتصوير على التصقيل. وقد فسر المتقون ها هنا على الأوجه الثلاثة.
وقلت: إذا جُعل (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) الآية [البقرة: ٣] كشفاً وبياناً للمتقين؛ كان من الوجه الثاني، وإذا جعل مدحاً؛ كان من الوجه الثالث، وإذا جعل صفة مخصصةً؛ كان من الوجه الأول.