عُمْيًا لا تستبصرُ ولا تعرفُ حقًّا من باطلٍ. وإرشادًا؛ لأنَّهم كانُوا يَخبطُونَ في ضَلالٍ. {وَرَحْمَةً}؛ لأنَّهم لو عملوا بها وصَلُوا إلى نيلِ الرَّحمة. {لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} إرادةَ أنْ يتذَكَّرُوا، شُبِّهتِ الإرادةُ بالتَّرجِّي فاستُعِيرَ لها. ويجوزُ أنْ يرادَ به: ترجِّي موسى عليه السَّلامُ لتَذْكرتِهم، كقولِه تعالى:{لَّعَلَّهُ, يَتَذَكَّرُ}[طه: ٤٤]
{الْغَرْبِيِّ} المكانُ الواقعُ في شِقِّ الغرب، وهو المكانُ الذي وقعَ فيه ميقاتُ موسى عليه السَّلامُ من الطُّور، وكتبَ الله له في الألواح. والأمرُ المقْضِيُّ إلى مُوسى عليه السَّلامُ: الوحيُ الذي أوحى إليه؛ والخطابُ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم يقول: وما كُنتَ حاضِرَ المكانِ الذي أوحينا فيه إلى مُوسى عليه السَّلام، ولا كُنتَ مِنَ جُملةِ الشَّاهِدِينَ للوحيِ إليه، أو على الوحيِ إليه،
{الْكِتَابَ}؛ ليؤذِنَ بشدّةِ احتياجِ القومِ إلى ما تُفتَحُ بهِ قلوبُهُمُ العمياء. وإنما أَرْدَفَها بقولِه:{وَهُدًى}؛ ليُنَبِّهِ على أنّهُمْ كانوا يخبِطون في ضلال، وعقّبَهُما بقولِه:{وَرَحْمَةً} لينادي بأنهُمْ كانوا بُعَداءَ مِنْ رحمةِ الله وما عَمِلوا بمقتضى الكتاب؛ لأنّهُمْ لو عَمِلوا بهِ لوصَلوا إلى رحمةِ الله. جَعَلَ ألفاظَ الآيةِ كلّها تعريضاتٍ باليهود، ودلّ على مكانِ التعريضِ قولُه:{لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}.
قولُه:(كقولِه تعالى: {لَّعلَّهُ, يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}[طه: ٤٤])، يعني: شَبّهَ حالةَ إيتاءِ الكتابِ لاستبصارِ بني إسرائيلَ واهتدائِهِمِ، وترجِّي موسى منهُم التذكُّر، بحالةِ بَعْثِتِهِ وأخيهِ إلى فرعونَ وترجِّيهِما مِنهُ التذكُّرَ والخشية؛ فاستعمَلَ هاهنا كلمةَ الترجِّي كما استُعمِلَتْ هناك.
قولُه:(وما كنتَ حاضرَ المكان)، إلى قولِه:(حتى تَقِفَ مِنْ جهةِ المشاهدة) قد ذكَرْنا فائدةَ هذا الأسلوبِ في ((البقرة)) عندَ قولِه: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ}[البقرة: ١٣٣].
قولُه:(أو على الوحي إليه)، على هذا: الشاهدُ بمعنى القائم بالشهادة، وعلى الأوّل: بمعنى الحاضر.