علَّمناكَ {رَّحْمَةً} وقرئ: (رحمةٌ)، بالرَّفع، أي: هي رحمةٌ {مّا أَتَاهُم مِن نَّذِيرٍ} في زمانِ الفَتْرَةِ بينَك وبينَ عيسى؛ وهيَ خمسُ مئةٍ وخمسُونَ سنةً، ونحوُه قولُه: {لِتُنذِرَ قَوْمًا مّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ} [يس: ٦].
[{وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} ٤٧]
{لَوْلَا} الأولى: امتناعيّةٌ وجوابُها محذوفٌ، والثانيةُ: تحضِيضِيّةٌ، وإحدى الفاءَيْنِ: للعطْف، والأُخرى: جوابُ {لَوْلَا}، لكَونِها في حُكمِ الأمر، من قِبَلِ أنَّ الأمرَ باعثٌ على الفعل، والباعثُ والمُحضِّضُ من وادٍ واحدٍ. والمعنى: ولولا أنَّهم قائِلونُ إذا عُوقِبُوا بما قَدَّمُوا من الشِّرْكِ والمعاصي: هلاّ أرسلتَ إلينا رسولاً؟ محتجِّينَ علينا بذلك: لما أرسَلْنا إليهم، يعني: أنّ إرسالَ الرَّسُولِ إليهم إنّما هو ليُلْزِمُوا الحُجّة ولا يُلزِمُوها، كقولِه: {لئِلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةُ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: ١٦٥] {أَن تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ} [المائدة: ١٩]، {لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ}. فإن قلت: كيفَ استقامَ هذا المعنى وقد جُعِلَتِ العُقوبةُ هي السّببَ في الإرسالِ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (في زمانِ الفترةِ بينَكَ وبينَ عيسى وهيَ خمسُ مئةٍ وخمسونَ سنة)، روَيْنا عنِ البخاريِّ عنْ سلمانَ الفارسيَّ قال: فترةُ بَيْنَ عيسى ومحمدٍ صلواتُ الله عليهِما ستُّ مئةِ سنة.
قولُه: (وقدْ جُعِلَت العقوبةُ هيَ السببَ في الإرسالِ)، يعني: لَمّا جَعَلْتَ قولَه: {فَيَقُولُوا} عطفًا على {أَن تُصِيبَهُم}، وجَعَلْتَ {فَنَتَّبِعَ} جوابَ {لَوْلَا} الثانية، وقدّرتَ الكلام: لولا أنْ تُصيبَهُم مصيبة؛ لمَا أرسلنا إليهِم، لَزِمَكَ أنْ تَجعَلَ العقوبةَ هيَ السببَ في الإرسالِ لولا القول. والقولُ في الحقيقةِ هوَ السبب؛ بدليلِ قولِه: {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.