(التنادي) ما حكى الله في سورة الأعراف من قوله: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ}[الأعراف: ٤٤]، و {وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ}[الأعراف: ٥٠]، ويجوز أن يكون تصايحهم بالويل والثبور. وقرئ بالتشديد، وهو أن يند بعضهم من بعض؛ كقوله:{يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ}[عبس: ٣٤]. وعن الضحاك: إذا سمعوا زفير النار ندوا هربًا، فلا يأتون قطرًا من الأقطار إلا وجدوا ملائكة صفوفًا، فبيناهم يموج بعضهم في بعض، إذ سمعوا مناديًا: أقبلوا إلى الحساب. {تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ} عن قتادة: منصرفين عن موقف الحساب إلى النار. وعن مجاهد: فارين عن النار غير معجزين.
القتل، فحينئذ أيس المؤمن واستشعر الخوف وأيقن أن حجة الله لزمتهم، قال:{إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ}، لأنه تعالى بعث إليهم الرسل مصحوبًا بالبينات كرسولكم فلم يؤمنوا، فدمرهم الله، {ومَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ}.
وينصره ما ذكره محيي السنة:{ومَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ} أي: لا يهلكهم قبل اتخذ الحجة عليهم. يعني: عبر عن سنة الله الجارية -وهي إرادة بعثة الرسل إلى الأمم حتى إن أهلكهم لا يقولوا:{مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ}[المائدة: ١٩] فنحن مظلومون- بقوله:{ومَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ} أي: الله لا يريد الإهلاك قبل اتخاذ الحجة، وقد بعث إليهم وإليكم الحجة.
وظهر أن قول المصنف:"لا يريد لهم أن يظلموا" مما ينبو عنه المقام، وقضية مذهبه جره إليه.
قوله:(وقرئ بالتشديد)، قال ابن جني: وهي قراءة ابن عباس والضحاك والكلبي، وهو "تفاعل" مصدر "تناد القوم"، أي: تفرقوا، من قولهم: ند يند، كنفر ينفر، وتنادوا كتنافروا. والتناد كالتنافر، وأصله: التنادد، فأدغم.