لا يأمركم بخير قط، (إنما يأمركم بِالسُّوءِ): بالقبيح، (وَالْفَحْشاءِ): وما يتجاوز الحدّ في القبح من العظائم. وقيل: السوء: ما لا حدّ فيه، والفحشاء: ما يجب فيه الحدّ، (وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ) وهو قولكم: هذا حلال وهذا حرام بغير علم. ويدخل فيه كل ما يضاف إلى اللَّه تعالى مما لا يجوز عليه. فإن قلت: كيف كان الشيطان آمراً مع قوله: (لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ)[الحجر: ٤٢]؟ قلت: شبه تزيينه وبعثه على الشر بأمر الآمر، كما تقول: أمرتنى نفسي بكذا، وتحته رمز إلى أنكم منه بمنزلة المأمورين؛ لطاعتكم له وقبولكم وساوسه؛ ولذلك قال:(وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ)[النساء: ١١٩]، وقال اللَّه تعالى:(إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ)[يوسف: ٥٣] لما كان الإنسان يطيعها فيعطيها ما اشتهت.
[(وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَ لَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ)].
(لَهُمُ) الضمير للناس، وعدل بالخطاب عنهم على طريقة الالتفات للنداء على ضلالهم؛ لأنه لا ضال أضل من المقلد، كأنه يقول للعقلاء: انظروا إلى هؤلاء الحمقى ماذا يقولون. قيل: هم المشركون. وقيل: هم طائفة من اليهود دعاهم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم إلى الإسلام فقالوا: (بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا) فإنهم كانوا خيرا منا وأعلم
قوله:(كيف كان الشيطان آمراً) أي: الآمر مستعل على المأمور ومتسلط فوقه، فكيف يستقيم هذا مع قوله:(لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ)[الحجر: ٤٢]. وخلاصة الجواب: أن الكلام فيه استعارة، وفي الاستعارة كناية رمزية؛ نعى على سوء صنيعهم وتسفيه رأيهم وتحقير شأنهم، وذلك بأخذ الزبدة والخلاصة من الجملة.
قوله:(قيل: هم المشركون، وقيل: هم طائفة من اليهود) يعني: التعريف في الناس للعهد، والمعهود: إما ما يفهم من قوله: (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَاداً) إذا أريد بالأنداد: