للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

(فلا رفث ولا فسوق) [البقرة: ١٩٧] فكنى به عن الجماع، لأنه لا يكاد يخلو من شيءٍ من ذلك. فإن قلت: لم كني عنه هاهنا بلفظ الرفث الدال على معنى القبح بخلاف قوله: (وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ) [النساء: ٢١]، (فَلَمَّا تَغَشَّاها) [الأعراف: ١٨٩]، (بَاشِرُوهُنَّ) (أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ) [النساء: ٤٣]، (دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) [النساء: ٢٣]، (فَاتُوا حَرْثَكُمْ) [البقرة: ٢٢٣]، (مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ) [البقرة: ٢٣٧]، (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ) [البقرة: ٢٢٣]، (وَلا تَقْرَبُوهُنَّ) [البقرة: ٢٢٢]؟ قلت: استهجاناً لما وجد منهم قبل الإباحة، كما سماه اختيانا لأنفسهم. فإن قلت: لم عدي الرفث بـ"إلى"؟ قلت: لتضمينه معنى الإفضاء. لما كان الرجل والمرأة يعتنقان ويشتمل كل واحد منهما على صاحبه في عناقه؛ شبه باللباس المشتمل عليه. قال الجعدي:

إذَا مَا الضَّجِيعُ ثَنَى عِطْفَهَا … تَثَنَّتْ فَكَانَتْ عَليْهِ لِبَاسَا

فإن قلت: ما موقع قوله: (هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ)؟ قلت: هو استئناف كالبيان لسبب الإحلال؛ وهو أنه إذا كانت بينكم وبينهنّ مثل هذه المخالطة والملابسة قلّ صبركم عنهنّ وصعب عليكم اجتنابهنّ، فلذلك رخص لكم في مباشرتهنّ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فكنى به عن الجماع) رتب على قوله: "الرفث وهو الإفصاح بما يجب أن يكنى عنه"، يعني: كنى ها هنا بالرفث عن الجماع، وكان من حق الظاهر أن يكنى عن الرفث، لا به، وإنما عدل إليه ليرتدع من ارتكبه، يدل عليه قوله: "استهجاناً لما وجد منهم قبل الإباحة".

الانتصاف: ويؤيد قول الزمخشري أنه تعالى لما أباحه قال: (فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ)، فعاد إلى الكنايات المألوفة، ويشكل بقوله: (فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) [البقرة: ١٩٧] ولم يسبق منهم فيه فعل؟ وجوابه: أنه في آية الحج منهي عنه، فشنعه وهجنه لينفرهم عن التورط فيه، ولذلك قرنه بالفسوق.

<<  <  ج: ص:  >  >>