وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ فِي كِتَابِ التَّحْصِيلِ " عَلَيْهِ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَكْثَرُ الْقَائِلِينَ بِالْعُمُومِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ عَنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ، وَجَزَمَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي " شَرْحِ اللُّمَعِ " وَخَطَّأَ مُخَالِفَهُ، وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ: وَقَدْ جَعَلَهُ الشَّافِعِيُّ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ طَرِيقَ التَّرْجِيحِ، وَلَا يُعْرَفُ أَنَّهُ جَعَلَهُ وَجْهَ الْمَنْعِ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ بِالظَّاهِرِ.
قُلْتُ: وَلِلشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ ذَهَبَ فِيهِ إلَى أَنَّ النَّوْمَ فِي الصَّلَاةِ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} [الفرقان: ٦٤] قَالَ: فَأَخْرَجَهُ مَخْرَجَ الْمَدْحِ، وَمَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْمَدْحِ يُنْفَى عَنْهُ إبْطَالُ الْعِبَادَةِ، وَاحْتَجَّ فِي الْجَدِيدِ عَلَى أَصْحَابِ مَالِكٍ فِي أَنَّ وَقْتَ الْمَغْرِبِ يَبْقَى إلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ (أَنَّهُ صَلَّى الْمَغْرِبَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَفِي الثَّانِي عِنْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ، ثُمَّ قَالَ: مَا بَيْنَ هَذَيْنِ وَقْتُ الْمَغْرِبِ) وَهَذَا نَصٌّ فِي مُسَاوَاتِهَا فِي الْوَقْتِ بِغَيْرِهَا، فَقَالَ الْمُعْتَرِضُ: يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ تَعْلِيمَ وَقْتِ الضَّرُورَةِ، فَقِيلَ لَهُ: لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا قَصَدَ تَعْلِيمَ أَوَائِلِ أَوْقَاتِ الِاخْتِيَارِ وَآخِرِهَا، لَكِنْ نَصَّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ عَلَى مُوَافَقَةِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّ الْحَنَفِيَّةَ احْتَجُّوا عَلَى أَنَّ وَقْتَ الظُّهْرِ أَطْوَلُ مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ بِقَوْلِ أَهْلِ الْكِتَابِ: نَحْنُ أَكْثَرُ أَعْمَالًا وَأَقَلُّ أَجْرًا. قَالُوا: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى سَعَةِ الْوَقْتِ، فَقَالَ لَهُمْ: لَمْ يُقْصَدْ بِالْخَبَرِ ذَلِكَ، لِأَنَّ كَثْرَةَ الْعَمَلِ وَقِلَّتَهُ لَا تَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْتُمْ، فَمُنِعَ التَّمَسُّكُ بِالْعُمُومِ فِي غَيْرِ مَقْصُودِهِ.
وَكَذَا يُمْنَعُ تَمَسُّكُ الْحَنَفِيَّةِ بِحَدِيثِ: «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْخَضْرَاوَاتِ. وَقَالَ: إنَّ الْكَلَامَ إنَّمَا سِيقَ لِبَيَانِ الْجُزْءِ الْوَاجِبِ، لَا لِبَيَانِ الْوَاجِبِ فِيهِ، لَكِنْ الصَّحِيحُ الْأَوَّلُ. وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ بِهِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.