وَمَثَّلَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ بِأَنَّ الصَّبِيَّ الَّذِي لَا يُجَامِعُ مِثْلُهُ إذَا مَاتَ، وَالْمَرْأَةُ حَامِلٌ لَا تَعْتَدُّ مِنْهُ، لِأَنَّهُ حَمْلٌ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ زَوْجِهَا، وَمَنْفِيٌّ عَنْهُ قَطْعًا فَلَا تَعْتَدُّ مِنْهُ، قِيَاسًا عَلَى الْحَمْلِ الْحَادِثِ بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَيُخَصَّصُ بِهَذَا الْقِيَاسِ عُمُومُ: {وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: ٤] .
الثَّالِثُ: أَنَّ الْخِلَافَ فِي أَصْلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، هَلْ هُوَ مِنْ جِنْسِ الْخِلَافِ فِي الْقَطْعِيَّاتِ؛ أَوْ مِنْ الْمُجْتَهَدَاتِ؟ قَالَ الْغَزَالِيُّ: يَدُلُّ كَلَامُ الْقَاضِي عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ فِي تَقْدِيمِ خَبَرِ الْوَاحِدِ عَلَى عُمُومِ الْكِتَابِ، وَفِي تَقْدِيمِ الْقِيَاسِ عَلَى الْعُمُومِ مِمَّا يَجِبُ الْقَطْعُ فِيهِ بِخَطَأِ الْمُخَالِفِ، لِأَنَّهُ مِنْ مَسَائِلِ الْأُصُولِ. قَالَ: وَعِنْدِي أَنَّ إلْحَاقَ هَذَا بِالْمُجْتَهَدَات أَوْلَى، فَإِنَّ الْأَدِلَّةَ فِيهِ مِنْ الْجَوَانِبِ مُتَفَاوِتَةٌ، غَيْرُ بَالِغَةٍ مَبْلَغَ الْقَطْعِ انْتَهَى. وَحِينَئِذٍ فَتَوَقُّفُ الْقَاضِي إنَّمَا هُوَ عَنْ الْقَطْعِ، وَلَا يُنْكَرُ أَنَّ الْأَرْجَحَ التَّخْصِيصُ، وَلَكِنْ عِنْدَهُ أَنَّ الْأَرْجَحِيَّةَ لَا تَكْفِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، لِأَنَّ مَسَائِلَ هَذَا الْفَنِّ عِنْدَهُ قَطْعِيَّةٌ لَا ظَنِّيَّةٌ، وَحِينَئِذٍ فَنَحْنُ نُوَافِقُهُ عَلَى انْتِفَاءِ الْقَطْعِ، وَإِنَّمَا نَدَّعِي أَنَّ الظَّنَّ كَافٍ فِي الْعَمَلِ، فَلَا نَتَوَقَّفُ؛ وَهُوَ لَا يَكْتَفِي بِالظَّنِّ، فَيَتَوَقَّفُ.
الرَّابِعُ: أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ غَيْرُ مَسْأَلَةِ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِالْمَعْنَى، فَإِنَّ تِلْكَ لِلشَّافِعِيِّ فِيهَا قَوْلَانِ، وَلِهَذَا تَرَدَّدَ فِي نَقْضِ الْوُضُوءِ بِالْمَحَارِمِ، لِأَجْلِ عُمُومِ: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [النساء: ٤٣] وَالتَّخْصِيصُ بِالْمَعْنَى، وَهُوَ الشَّهْوَةُ مُنْتَفِيَةٌ فِيهِمْ، وَكَذَا فِي الْقَاتِلِ بِحَقٍّ مَعَ حَدِيثِ: «الْقَاتِلُ لَا يَرِثُ» . وَقَوْلُهُ: «أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» اسْتَنْبَطُوا مِنْهُ مَا خَصَّصَ جِلْدَ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ. وَقَدْ نَقَّحَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَةِ " الْفَارِقَ بَيْنَ الْمَسَائِلِ، فَقَالَ بَعْدَ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.