قَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ: وَحَيْثُ قُلْنَا: يُقَيَّدُ قِيَاسًا أَرَدْنَا بِهِ سَالِمًا عَنْ الْفُرُوقِ، وَبِهِ يَنْدَفِعُ قَوْلُهُمْ: إنَّ اخْتِلَافَ الْأَسْبَابِ يُوجِبُ اخْتِلَافَ الْأَحْكَامِ. وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: كُلُّ دَلِيلٍ يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِهِ، يَجُوزُ تَقْيِيدُ الْمُطْلَقِ بِهِ، وَمَا لَا فَلَا، لِأَنَّ الْمُطْلَقَ عَامٌّ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى. فَيَجُوزُ التَّقْيِيدُ بِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، خِلَافًا لِلْقَاضِي، وَتَقْرِيرُهُ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ، وَبِمَفْهُومِ الْخِطَابِ.
وَقَالَ ابْنُ فُورَكٍ وَإِلْكِيَا الطَّبَرِيِّ وَالْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ اخْتَلَفُوا، هَلْ الْقِيَاسُ مُخَصِّصٌ لِلْمُطْلَقِ أَوْ زَائِدٌ فِيهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنَّهُ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ الْمُطْلَقِ لَا الزِّيَادَةَ فِيهِ. قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَقْتَضِي الزِّيَادَةَ فِيهِ، وَجَوَّزَ الزِّيَادَةَ بِالْقِيَاسِ، وَلَمْ يُقَدِّرْهُ نَسْخًا.
وَقَالَ صَاحِبُ الْوَاضِحِ: اخْتَلَفَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ وَعَبْدُ الْجَبَّارِ فِي أَنَّ تَقْيِيدَ الرَّقَبَةِ الْمُطْلَقَةِ بِالْإِيمَانِ، هَلْ يَقْتَضِي زِيَادَةً أَوْ تَخْصِيصًا؟ فَقَالَ الْبَصْرِيُّ: هُوَ زِيَادَةٌ، لِأَنَّ إطْلَاقَ الرَّقَبَةِ يَقْتَضِي إجْزَاءَ كُلِّ مَا تَقَعُ عَلَيْهِ الرَّقَبَةُ، فَإِذَا اُعْتُبِرَ فِي إجْزَائِهَا الْإِيمَانُ كَانَ ذَلِكَ زِيَادَةً لَا مَحَالَةَ. وَقَالَ قَاضِي الْقُضَاةِ: هُوَ تَخْصِيصٌ، لِأَنَّ إطْلَاقَ الرَّقَبَةِ يَقْتَضِي إجْزَاءَ الْمُؤْمِنَةِ، وَالْكَافِرَةِ، وَالتَّقْيِيدُ بِالْإِيمَانِ يُخْرِجُ الْكَافِرَةَ، فَكَانَ تَخْصِيصًا لَا مَحَالَةَ. قَالَ: وَفَائِدَةُ هَذَا الْخِلَافِ أَنَّ مَنْ قَالَ: زِيَادَةٌ، يَمْنَعُ الْحَمْلَ بِالْقِيَاسِ، لِأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ نَسْخٌ، وَالنَّسْخُ بِالْقِيَاسِ لَا يَجُوزُ، وَمَنْ قَالَ: تَخْصِيصُ جَوَازِ الْحَمْلِ بِالْقِيَاسِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ. لَيْسَ هَذَا بِخِلَافٍ فِي الْحَقِيقَةِ، فَالْقَاضِي أَرَادَ أَنَّ التَّقَيُّدَ بِالصِّفَةِ نُقْصَانٌ فِي الْمَعْنَى، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَرَادَ زِيَادَةً فِي اللَّفْظِ. اهـ.
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي " الْمَنْخُولِ ": الْقَائِلُونَ بِالْقِيَاسِ اخْتَلَفُوا، فَقِيلَ: لَا يَجُوزُ الِاسْتِنْبَاطُ مِنْ مَحَلِّ التَّقْيِيدِ، فَلِيَكُنْ مِنْ مَحَلٍّ آخَرَ، وَهُوَ عَدَمُ إجْزَاءِ الْمُرْتَدِّ بِالْإِجْمَاعِ. قَالَ: وَهَذَا بَاطِلٌ، فَإِنَّ الْمُسْتَنْبَطَ مِنْ مَحَلِّ التَّقْيِيدِ إنْ كَانَ مَحِلًّا صَالِحًا قُبِلَ، وَإِلَّا فَهُوَ بَاطِلٌ، لِعَدَمِ الْإِحَالَةِ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.