وَأَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، إلَى أَنَّ الْعَقْلَ يُجَوِّزُ نَسْخَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْآخَرِ، وَلَكِنَّ الشَّرْعَ مَانِعٌ مِنْهُ فِيهِمَا جَمِيعًا.
وَقَالَ فِي الْمُقْتَرَحِ: لَمْ يُرِدْ الشَّافِعِيُّ مُطْلَقَ السُّنَّةِ، بَلْ أَرَادَ السُّنَّةَ الْمَنْقُولَةَ آحَادًا، وَاكْتَفَى بِهَذَا الْإِطْلَاقِ، لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي السُّنَنِ الْآحَادُ. قُلْت: وَالصَّوَابُ أَنَّ مَقْصُودَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ لَا يُوجَدَانِ مُخْتَلِفَيْنِ إلَّا وَمَعَ أَحَدِهِمَا مِثْلُهُ نَاسِخٌ لَهُ، وَهَذَا تَعْظِيمٌ عَظِيمٌ، وَأَدَبٌ مَعَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَفَهْمٌ بِمَوْقِعِ أَحَدِهِمَا مِنْ الْآخَرِ، وَكُلُّ مَنْ تَكَلَّمَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَمْ يَقَعْ عَلَى مُرَادِ الشَّافِعِيِّ، بَلْ فَهِمُوا خِلَافَ مُرَادِهِ حَتَّى غَلِطُوا وَأَوَّلُوهُ، وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَيَانٍ فِيهِ فِي الْمَسْأَلَةِ بَعْدَهَا. وَقَدْ احْتَجَّ مَنْ خَالَفَ الشَّافِعِيَّ بِآيٍ مِنْ الْكِتَابِ نُسِخَتْ أَحْكَامُهَا، وَلَا نَاسِخَ لَهَا فِي الْقُرْآنِ، وَإِنَّمَا نَسَخَتْهَا السُّنَّةُ الَّتِي كَانَتْ مُتَوَاتِرَةً فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ اُسْتُغْنِيَ عَنْ نَقْلِهَا بِالْإِجْمَاعِ، فَصَارَتْ آحَادًا، كَوُجُوبِ الْوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِقَوْلِهِ: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» . وَأَجَابَ الصَّيْرَفِيُّ بِأَنَّ آيَةَ الْمَوَارِيثِ نَسَخَتْ، وَالرَّسُولُ بَيَّنَ أَنَّهَا نَاسِخَةٌ. وَقَالَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ: يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: نُسِخَ بِآيَةٍ أُخْرَى لَمْ يُنْقَلْ رَسْمُهَا وَنَظْمُهَا إلَيْنَا، كَمَا قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ} [الممتحنة: ١١] فَإِنَّ هَذَا الْحُكْمَ مَنْسُوخٌ الْيَوْمَ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ سُنَّةٌ نَاسِخَةٌ، فَإِنْ جَازَ لَكُمْ الْحَمْلُ عَلَى سُنَّةٍ لَمْ تَظْهَرْ، جَازَ لَنَا الْحَمْلُ عَلَى كِتَابٍ لَمْ يَظْهَرْ. انْتَهَى.
وَقَالَ الصَّيْرَفِيُّ: وَلَا يُقَالُ: إنَّ الرَّجْمَ نُسِخَ بِالْجَلْدِ عَنْ الزَّانِي، لِأَنَّ الرَّجْمَ رَفْعٌ. . . لَمْ يَكُنْ الْجَلْدُ عَلَيْهِ بِالْقُرْآنِ، فَحَظُّ السُّنَّةِ الْبَيَانُ وَالْإِخْبَارُ عَنْ الْمُرَادِ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ السُّنَّةَ لِلْبَيَانِ، فَمُحَالٌ أَنْ يُنْسَخَ الشَّيْءُ بِمَا يُبَيِّنُهُ قَالَ: وَإِنَّمَا جَازَ نَسْخُ بَعْضِ الْقُرْآنِ بِبَعْضِهِ لِلِاحْتِرَازِ مِنْ حُجَّةِ الْكُفَّارِ،
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.