لِإِظْهَارِ مَلْزُومِهَا الَّذِي هُوَ نِعْمَةٌ مِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ لَهُ يَتَأَهَّبُ لَهُ الْعِلْمُ امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى: ١١] .
وَقَالَ مَا تَقَدَّمَ دُونَ نَحْمَدُ اللَّهَ الْأَخْصَرُ مِنْهُ.
ــ
[حاشية العطار]
حَاصِلٍ كَمَا إذَا قِيلَ أَتَكَلَّمُ مُخْبِرًا عَنْ التَّكَلُّمِ الْحَاصِلِ بِذَلِكَ الْقَوْلِ؛ لِأَنَّا نَمْنَعُهُ بِنَاءً عَلَى مَا حَقَّقَهُ بَعْضُ حَوَاشِي شَرْحِ الدَّوَانِيِّ عَلَى التَّهْذِيبِ مِنْ أَنَّ التَّصْدِيقَ هُوَ الصُّورَةُ الذِّهْنِيَّةُ الَّتِي يُقْصَدُ بِهَا الْمُحَاكَاةُ عَنْهَا فِي الْوَاقِعِ فَلَا تَكُونُ حِكَايَةً عَنْ نَفْسِهَا إذْ مُحَاكَاةُ الشَّيْءِ عَنْ نَفْسِهِ غَيْرُ مَعْقُولٍ وَلِأَجْلِ ذَلِكَ صَارَ احْتِمَالُ الْمُطَابَقَةِ واللامطابقة مِنْ خَوَاصِّ التَّصْدِيقَاتِ فَإِنَّ الصُّورَةَ مَا لَمْ يُقْصَدْ بِهَا الْمُحَاكَاةُ عَنْ أَمْرٍ وَاقِعٍ لَا تَجْرِي فِيهَا التَّخْطِئَةُ وَالتَّغْلِيطُ وَقَالَ مِيرْ زَاهِدْ فِي حَوَاشِي ذَلِكَ الشَّرْحِ الْمَحْكِيِّ عَنْهُ هُوَ مِصْدَاقُ الْقَضِيَّةِ وَمِصْدَاقُهَا يَلْزَمُ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَيْهَا فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ نَفْسَهَا وَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ إلَى قَوْلِهِ " وَأَتَى بِنُونِ الْعَظَمَةِ " تَوْجِيهٌ لِاخْتِبَارِ كَوْنِ الْجُمْلَةِ إنْشَائِيَّةً لِمَا ذُكِرَ وَلِمَا فِيهِ مِنْ تَنَاسُقِ الْجُمَلِ فِي الْعَطْفِ فَالْجُمَلُ الثَّلَاثَةُ مِنْ قِبَلِ عَطْفِ الْإِنْشَاءِ عَلَى الْإِنْشَاءِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: لِإِظْهَارِ مَلْزُومِهَا) أَيْ الْعَظَمَةِ وَذَلِكَ الْمَلْزُومُ تَعْظِيمُ اللَّهِ لَهُ كَمَا قَالَ الَّذِي هُوَ نِعْمَةٌ إلَخْ وَعِلَّةُ الْإِظْهَارِ امْتِثَالٌ قَوْله تَعَالَى {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى: ١١]
وَخُلَاصَتُهُ، أَنَّهُ إنَّمَا عَدَلَ عَنْ الْمُضَارِعِ الْمَبْدُوءِ بِالْهَمْزَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمُتَكَلِّمِ وَحْدَهُ إلَى النُّونِ الَّتِي لِلْجَمَاعَةِ أَوْ الْمُتَكَلِّمِ الْمُعَظِّمِ نَفْسَهُ لِهَذِهِ النُّكْتَةِ وَإِنَّمَا لَمْ تُجْعَلْ النُّونُ مُسْتَعْمَلَةً فِي الْجَمَاعَةِ؛ لِأَنَّهُ جَرَى عَلَى أَنَّ الْجُمْلَةَ الْإِنْشَائِيَّةَ وَالشَّخْصُ إنَّمَا يُنْشِئُ فِعْلَ نَفْسِهِ وَلَا يَحْتَاجُ فِي ذَلِكَ لِمُشَارَكَةٍ. نَعَمْ، عَلَى تَقْدِيرِ الْخَبَرِيَّةِ هِيَ صَالِحَةٌ لِذَلِكَ وَتَكُونُ إخْبَارًا عَنْهُ وَعَنْ لِسَانِ غَيْرِهِ وَقَدْ تَصِحُّ الْإِنْشَائِيَّةُ بِتَخَيُّلِ أَنَّهُ يُنْشِئُ الْحَمْدَ بِلِسَانِهِ وَبِجَمِيعِ جَوَارِحِهِ فَتُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ حَامِدِينَ لَكِنَّهُ وَجْهٌ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّخَيُّلِ فَلِذَا لَمْ يُعَرِّجْ عَلَيْهِ الشَّارِحُ، وَجَعْلُ النُّونِ هُنَا لِلْمُعَظِّمِ نَفْسِهِ اسْتِعْمَالٌ كِنَائِيٌّ فَإِنَّ النُّونَ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْعَظَمَةِ لِيَنْتَقِلَ الذِّهْنُ مِنْهَا إلَى مَلْزُومِهَا الَّذِي وَهُوَ التَّعْظِيمُ كَذَا فِي شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي لَازِمِ مَعْنَاهُ لَا فِي مَلْزُومِهِ فَإِنَّ اللَّازِمَ لَا يَدُلُّ عَلَى مَلْزُومِهِ بِجَوَازِ كَوْنِهِ أَعَمَّ وَإِنَّمَا الْمَلْزُومُ يَدُلُّ عَلَى لَازِمِهِ دَلَالَةَ الِالْتِزَامِ.
وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْمَلْزُومَ هُنَا لَازِمٌ أَيْضًا إذْ مُرَادُ الْبَيَانِيِّينَ اللُّزُومُ وَلَوْ بِاعْتِبَارِ الْعُرْفِ أَوْ الْغَلَبَةِ أَوْ الْقَرِينَةِ أَوْ الِادِّعَاءِ فَيَدَّعِي هُنَا مُسَاوَاةَ اللُّزُومِ وَالِاعْتِرَاضُ مَبْنِيٌّ عَلَى اصْطِلَاحِ الْمَنَاطِقَةِ وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا مَعْنًى كِنَائِيًّا؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ إرَادَةُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ بِأَنْ يُرَادَ الْعَظَمَةُ وَالتَّعْظِيمُ مَعًا وَلَا يُقَالُ إنَّ فِي إظْهَارِ ذَلِكَ تَزْكِيَةٌ لِلنَّفْسِ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ} [النجم: ٣٢] ؛ لِأَنَّا نَقُولُ التَّزْكِيَةُ الْمَنْهِيُّ عَنْهَا مَا كَانَتْ عَلَى وَجْهِ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَالْفَخْرِ لَا مَا كَانَتْ بِنَحْوِ تَعْرِيفِ مَقَامِهِ فِي الْعِلْمِ لِيَقْصِدَ وَيَنْتَفِعَ بِهِ النَّاسُ وَمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ وَمَا قَالَهُ الْكَمَالُ إنَّ خِطَابَ رَبِّ الْعَالَمِينَ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ مِنْ عَبْدِهِ مَقَامُ التَّلَبُّسِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا بِالذِّلَّةِ وَالْخُضُوعِ وَالِانْكِسَارِ وَلَيْسَ مَقَامَ تَعَرُّضٍ لِعَظَمَةِ الْعَبْدِ فَمُنْدَفِعٌ بِأَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ مُلَاحَظَةِ الْأَمْرَيْنِ مَعًا فَتُجْعَلُ هَذِهِ النِّعْمَةُ نُصْبَ عَيْنَيْهِ مَعَ اعْتِرَافِهِ لِرَبِّهِ بِالْخُضُوعِ فَالْمُرَادُ بِالتَّحَدُّثِ بِالنِّعْمَةِ هُنَا الِاعْتِرَافُ بَيْنَ يَدَيْ الْحَقِّ بِهَا فَتَكُونُ مِنْ بَابِ الشُّكْرِ أَيْضًا، وَبِهِ يَنْدَفِعُ مَا يُقَالُ أَيْضًا إنَّ الْعَبْدَ مَأْمُورٌ بِالتَّحَدُّثِ بِالنِّعْمَةِ مَعَ غَيْرِ اللَّهِ لَا مَعَ اللَّهِ تَعَالَى وَالْخِطَابُ هُنَا مَعَهُ سُبْحَانَهُ.
(قَوْلُهُ: الْأَخْصَرُ مِنْهُ) أَفْعَلُ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.