كَتَخْصِيصِ قَوْله تَعَالَى {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: ٢٢٨] الشَّامِلُ لِأُولَاتِ الْأَحْمَالِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: ٤] فَإِنْ قَالَ الْمَانِعُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّخْصِيصُ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ السُّنَّةِ قُلْنَا: الْأَصْلُ عَدَمُهُ، وَبَيَانُ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصْدُقُ بِالْبَيَانِ بِمَا نَزَلَ عَلَيْهِ مِنْ الْقُرْآنِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: ٨٩] (وَالسُّنَّةُ بِهَا) أَيْ بِالسُّنَّةِ وَقِيلَ لَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: ٤٤] فَقَصَرَ بَيَانَهُ عَلَى الْقُرْآنِ لَنَا الْوُقُوعُ كَتَخْصِيصِ حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» بِحَدِيثِهِمَا «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» (وَ) السُّنَّةُ (بِالْكِتَابِ) وَقِيلَ لَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: ٤٤] جَعَلَهُ مُبَيِّنًا لِلْقُرْآنِ فَلَا يَكُونُ الْقُرْآنُ مُبَيِّنًا لِلسُّنَّةِ قُلْنَا: لَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ قَالَ تَعَالَى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} [النجم: ٣] ، وَيَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ قَوْله تَعَالَى {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: ٨٩] وَإِنْ خَصَّ مِنْ عُمُومِهِ مَا خَصَّ بِغَيْرِ الْقُرْآنِ (وَالْكِتَابُ بِالْمُتَوَاتِرَةِ) وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ بِالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ الْفِعْلِيَّةِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ الْآتِي إنَّ فِعْلَ الرَّسُولِ لَا يُخَصِّصُ.
ــ
[حاشية العطار]
قَوْلُهُ: كَتَخْصِيصِ قَوْله تَعَالَى {وَالْمُطَلَّقَاتُ} [البقرة: ٢٢٨] إلَخْ) هَذَا مَخْصُوصٌ أَيْضًا مِنْ حَيْثُ شُمُولُهُ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهِنَّ بِقَوْلِهِ {فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} [الأحزاب: ٤٩] كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: ٢٣٤] مَخْصُوصٌ بِقَوْلِهِ {وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: ٤] اهـ.
(قَوْلُهُ: وَالسُّنَّةُ) أَيْ الْعَامَّةُ كَمَا هُوَ الْفَرْضُ، وَفِيهِ الْعَطْفُ لِمَعْمُولَيْنِ عَلَى مَعْمُولَيْ وَاحِدٍ (قَوْلُهُ: لِتُبَيِّنَ) أَيْ بِسُنَّتِك، فَالْبَيَانُ بِالسُّنَّةِ مَقْصُورٌ عَلَى الْقُرْآنِ لَا يَتَجَاوَزُهُ إلَى غَيْرِهِ مِنْ السُّنَّةِ وَحِينَئِذٍ فَلَا تَكُونُ السُّنَّةُ مُبَيِّنَةً ثُمَّ إنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِهَذِهِ الْآيَةِ هُنَا لَا يُنَافِي الِاسْتِدْلَالَ بِهَا فِيمَا تَقَدَّمَ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ تَخْصِيصِ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ؛ لِأَنَّ كُلًّا اسْتَدَلَّ بِهَا بِحَسَبِ مَا فَهِمَهُ مِنْهَا، وَالْآيَةُ الْوَاحِدَةُ تَحْتَمِلُ مَعَانِيَ كَثِيرَةً أَوْ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْأَوَّلَ نَاظِرٌ لِقَوْلِهِ {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ} [النحل: ٤٤] أَيْ بِالسُّنَّةِ وَهَذَا نَاظِرٌ لِقَوْلِهِ {مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: ٤٤] حَيْثُ جَعَلَهُ خَاصًّا بِالْقُرْآنِ وَمُحَصِّلُهُ أَنَّ الْأَوَّلَ نَاظِرٌ إلَى الْفَاعِلِ أَيْ تُبَيِّنَ أَنْتَ وَالثَّانِي نَاظِرٌ إلَى الْمَفْعُولِ، وَهُوَ الْقُرْآنُ، وَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ هَذَا نَاظِرٌ لِلْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ مَعًا (قَوْلُهُ: قَصَرَ بَيَانَهُ عَلَى الْقُرْآنِ) أَيْ قَصَرَ بَيَانَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْقُرْآنِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُبَيَّنٌ بِالْفَتْحِ فِي قَوْلِهِ: " مَا نُزِّلَ " فَلَا يُبَيَّنُ بِسُنَّةٍ إلَّا الْقُرْآنُ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى بَيَانُ النَّبِيِّ عَلَى الْقُرْآنِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْقُرْآنَ مُبَيِّنٌ بِالْكَسْرِ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ} [النحل: ٤٤] أَيْ الَّذِي يُبَيِّنُ بِهِ الْقُرْآنُ لَا السُّنَّةُ ثُمَّ إنَّ الْقَصْرَ مُسْتَفَادٌ مِنْ الْمَفْهُومِ؛ إذْ الْمَعْنَى لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ لَا غَيْرُهُ ثُمَّ إنَّ الْقَائِلَ بِالْمَنْعِ دَاوُد وَطَائِفَةٌ حَيْثُ قَالُوا: يَتَعَارَضَانِ، وَهَذَا يَشْمَلُ الْمُتَوَاتِرَةَ بِالْمُتَوَاتِرَةِ وَالْآحَادَ بِالْآحَادِ وَتَصَوُّرُ الْأَوَّلِ فِي زَمَانِنَا عُسْرٌ كَمَا قَالَ الْقَرَافِيُّ لِفَقْدِ التَّوَاتُرِ قَالَ: وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي عَصْرَا الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، فَإِنَّ الْأَحَادِيثَ كَانَتْ فِي زَمَانِهِمْ مُتَوَاتِرَةً لِقُرْبِ الْعَهْدِ وَشِدَّةِ الْعِنَايَةِ بِالرُّوَاةِ
(قَوْلُهُ: قُلْنَا: لَا مَانِعَ إلَخْ) فَمَعْنَى الْآيَةِ عَلَى هَذَا لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ بِالسُّنَّةِ أَوْ الْكِتَابِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ مِنْ الْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ فَنَظَرَ هَاهُنَا لِلْفَاعِلِ وَلِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} [النجم: ٣] لَوْ قَالَ الْآيَةَ أَوْلَى فَإِنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِقَوْلِهِ {إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: ٤] (قَوْلُهُ: وَيَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ إلَخْ) لَمْ يُسْتَدَلَّ عَلَى الْوُقُوعِ كَمَا فَعَلَ فِي الَّذِينَ قَبْلَهُ وَقَدْ اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِخَبَرِ الْحَاكِمِ وَغَيْرِهِ «مَا قُطِعَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ مَيِّتٌ» فَإِنَّهُ مَخْصُوصٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا} [النحل: ٨٠] الْآيَةَ قَوْلُهُ {تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: ٨٩] وَالسُّنَّةُ مِنْ الْأَشْيَاءِ (قَوْلُهُ: بِغَيْرِ الْقُرْآنِ) أَيْ كَالْعَقْلِ وَالْحِسِّ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ (قَوْلُهُ: بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ الْآتِي) أَيْ فِي قَوْلِهِ وَبِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَإِنَّهُ يَأْتِي لِلشَّارِحِ قَوْلٌ إنَّ فِعْلَهُ يُنْسَخُ فِي حَقِّهِ وَحَقِّنَا بِطَرِيقِ التَّأَسِّي.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.