لَا تَوْبَةَ لَهُ، وَجَعَلَهُ فِي الْفَتْحِ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ، لَكِنْ فِي حَظْرِ الْخَانِيَّةِ الْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ (إذَا أُخِذَ) السَّاحِرُ أَوْ الزِّنْدِيقُ الْمَعْرُوفُ الدَّاعِي (قَبْلَ تَوْبَتِهِ) ثُمَّ تَابَ لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ وَيُقْتَلْ، وَلَوْ أُخِذَ بَعْدَهَا قُبِلَتْ. وَأَفَادَ فِي السِّرَاجِ أَنَّ الْخَنَّاقَ لَا تَوْبَةَ لَهُ. وَفِي الشُّمُنِّيِّ: الْكَاهِنُ قِيلَ كَالسَّاحِرِ. وَفِي حَاشِيَةِ الْبَيْضَاوِيِّ لِمُنْلَا خُسْرو:
ــ
[رد المحتار]
فَإِنَّهُ لَا يُتْرَكُ. وَالثَّانِي يُقْتَلُ إنْ لَمْ يُسْلِمْ لِأَنَّهُ مُرْتَدٌّ. وَفِي الثَّالِثِ يُتْرَكُ عَلَى حَالِهِ لِأَنَّ الْكُفْرَ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ اهـ وَالْأَوَّلُ أَيْ الْمَعْرُوفُ الدَّاعِي لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَئُوبَ بِالِاخْتِيَارِ وَيَرْجِعَ عَمَّا فِيهِ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ أَوَّلًا، وَالثَّانِي يُقْتَلُ دُونَ الْأَوَّلِ اهـ وَتَمَامُهُ هُنَاكَ (قَوْلُهُ لَا تَوْبَةَ لَهُ) تَصْرِيحٌ بِوَجْهِ الشَّبَهِ، وَالْمُرَادُ بِعَدَمِ التَّوْبَةِ أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ مِنْهُ فِي نَفْيِ الْقَتْلِ عَنْهُ كَمَا مَرَّ فِي السَّابِّ، وَلِذَا نَقَلَ الْبِيرِيُّ عَنْ الشُّمُنِّيّ بَعْدَ نَقْلِهِ اخْتِلَافَ الرِّوَايَةِ فِي الْقَبُولِ وَعَدَمِهِ أَنَّ الْخِلَافَ فِي حَقِّ الدُّنْيَا، أَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَتُقْبَلُ تَوْبَتُهُ بِلَا خِلَافٍ اهـ وَنَحْوُهُ فِي رِسَالَةِ ابْنِ كَمَالٍ (قَوْلُهُ لَكِنْ فِي حَظْرِ الْخَانِيَّةِ إلَخْ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى الْفَتْحِ حَيْثُ لَمْ يَذْكُرْ هَذَا التَّفْصِيلَ.
وَنَقَلَ فِي النَّهْرِ عَنْ الدِّرَايَةِ رِوَايَتَيْنِ فِي الْقَبُولِ وَعَدَمِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا التَّفْصِيلُ مَحْمَلَ الرِّوَايَتَيْنِ. اهـ. (قَوْلُهُ الْمَعْرُوفُ) أَيْ بِالزَّنْدَقَةِ الدَّاعِي أَيْ الَّذِي يَدْعُو النَّاسُ إلَى زَنْدَقَتِهِ. اهـ. ح. فَإِنْ قُلْتُ: كَيْفَ يَكُونُ مَعْرُوفًا دَاعِيًا إلَى الضَّلَالِ، وَقَدْ اعْتَبَرَ فِي مَفْهُومِهِ الشَّرْعِيِّ أَنْ يُبْطِنَ الْكُفْرَ. قُلْتُ: لَا بُعْدَ فِيهِ، فَإِنَّ الزِّنْدِيقَ يُمَوِّهُ كُفْرَهُ وَيُرَوِّجُ عَقِيدَتَهُ الْفَاسِدَةَ وَيُخْرِجُهَا فِي الصُّورَةِ الصَّحِيحَةِ، وَهَذَا مَعْنَى إبْطَالِ الْكُفْرِ، فَلَا يُنَافِي إظْهَارَهُ الدَّعْوَى إلَى الضَّلَالِ وَكَوْنِهِ مَعْرُوفًا بِالْإِضْلَالِ اهـ.
ابْنُ كَمَالٍ (قَوْلُهُ أَنَّ الْخَنَّاقَ لَا تَوْبَةَ لَهُ) أَفَادَ بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ أَنَّ مَنْ خَنَقَ مَرَّةً لَا يُقْتَلُ. قَالَ الْمُصَنِّفُ قُبَيْلَ الْجِهَادِ: وَمَنْ تَكَرَّرَ الْخَنْقُ مِنْهُ فِي الْمِصْرِ قُتِلَ بِهِ وَإِلَّا لَا. اهـ. ط. قُلْتُ: ذِكْرُ الْخَنَّاقِ هُنَا اسْتِطْرَادِيٌّ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْكَافِرِ الَّذِي لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَالْخَنَّاقُ غَيْرُ كَافِرٍ، وَإِنَّمَا لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ لِسَعْيِهِ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ وَدَفْعِ ضَرَرِهِ عَنْ الْعِبَادِ، وَمِثْلُهُ قُطَّاعُ الطَّرِيقِ: مَطْلَبٌ فِي الْكَاهِنِ وَالْعَرَّافِ (قَوْلُهُ الْكَاهِنُ قِيلَ كَالسَّاحِرِ) فِي الْحَدِيثِ " «مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَالْكَاهِنُ كَمَا فِي مُخْتَصَرِ النِّهَايَةِ لِلسُّيُوطِيِّ: مَنْ يَتَعَاطَى الْخَبَرَ عَنْ الْكَائِنَاتِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَيَدَّعِي مَعْرِفَةَ الْأَسْرَارِ. وَالْعَرَّافُ: الْمُنَجِّمُ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: هُوَ الَّذِي يَتَعَاطَى مَعْرِفَةَ مَكَانِ الْمَسْرُوقِ وَالضَّالَّةِ وَنَحْوِهِمَا. اهـ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْكَاهِنَ مَنْ يَدَّعِي مَعْرِفَةَ الْغَيْبِ بِأَسْبَابٍ وَهِيَ مُخْتَلِفَةٌ فَلِذَا انْقَسَمَ إلَى أَنْوَاعٍ مُتَعَدِّدَةٍ كَالْعَرَّافِ. وَالرَّمَّالِ وَالْمُنَجِّمِ: وَهُوَ الَّذِي يُخْبِرُ عَنْ الْمُسْتَقْبَلِ بِطُلُوعِ النَّجْمِ وَغُرُوبِهِ، وَاَلَّذِي يَضْرِبُ بِالْحَصَى، وَاَلَّذِي يَدَّعِي أَنَّ لَهُ صَاحِبًا مِنْ الْجِنِّ يُخْبِرُهُ عَمَّا سَيَكُونُ، وَالْكُلُّ مَذْمُومٌ شَرْعًا، مَحْكُومٌ عَلَيْهِمْ وَعَلَى مُصَدِّقِهِمْ بِالْكُفْرِ. وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: يَكْفُرُ بِادِّعَاءِ عِلْمِ الْغَيْبِ وَبِإِتْيَانِ الْكَاهِنِ وَتَصْدِيقِهِ. وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة: يَكْفُرُ بِقَوْلِهِ أَنَا أَعْلَمُ الْمَسْرُوقَاتِ أَوْ أَنَا أُخْبِرُ عَنْ إخْبَارِ الْجِنِّ إيَّايَ اهـ. قُلْتُ: فَعَلَى هَذَا أَرْبَابُ التَّقَاوِيمِ مِنْ أَنْوَاعِ الْكَاهِنِ لِادِّعَائِهِمْ الْعِلْمَ بِالْحَوَادِثِ الْكَائِنَةِ. وَأَمَّا مَا وَقَعَ لِبَعْضِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.