يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَقَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِلَفْظِ: «مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ لِأَخِيهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهَا فَإِنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْخَذَ لِأَخِيهِ مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَسَنَاتٍ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ أَخِيهِ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ» . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِمَعْنَاهُ وَقَالَ فِي أَوَّلِهِ: «رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا كَانَتْ لِأَخِيهِ مَظْلِمَةٌ فِي عِرْضٍ أَوْ مَالٍ فَجَاءَهُ فَاسْتَحَلَّهُ» . وَكَأَنَّ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ أَخَذَ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ قَوْلَهُ: مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ تَعَدَّى بِسَبَبِهِ أَوْ بِمَظْلِمَةٍ أُخِذَ مِنْ حَسَنَاتِهِ بِمِقْدَارِ مَا ظُلِمَ بِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ طُرِحَ عَلَيْهِ مِنْ سَيِّئَاتِ الْمَظْلُومِ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَتَعَدَّ بِسَبَبِهِ وَلَا بِمَظْلِمَةِ أَحَدٍ أُخِذَ مِنْ حَسَنَاتِهِ فِي الْآخِرَةِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ أَمْوَالِهِ فِي الدُّنْيَا حَتَّى لَا يَبْقَى لَهُ شَيْءٌ فَإِنْ فُقِدَتْ لَمْ يُطْرَحْ عَلَيْهِ مِنْ سَيِّئَاتِ الْمُسْتَحِقِّ لِأَنَّهُ غَيْرُ عَاصٍ.
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا حُكْمُ مَنْ يَفْضُلُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ بَعْدَ فِنَاءِ حَسَنَاتِهِ؟ قُلْت الْأَمْرُ فِيهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى إنْ شَاءَ عَوَّضَ رَبَّ الدَّيْنِ مِنْ عِنْدِهِ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُعَوِّضْهُ، وَهَذَا مَوْقُوفٌ عَلَى صِحَّةِ الْخَبَرِ فِيهِ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ ثَوَابِ إيمَانِهِ الْوَاجِبِ كَمَا لَا تُؤْخَذُ فِي الدُّنْيَا ثِيَابُ بَدَنِهِ، وَفِي ثَوَابِ الْإِيمَانِ الْمَنْدُوبِ نَظَرٌ. انْتَهَى.
قَالَ فِي الْخَادِمِ: وَالتَّحْقِيقُ فِي هَذَا مَا صَارَ إلَيْهِ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِأَحْكَامِ الْحَلِيمِ الْكَرِيمِ أَنْ يَكُونَ فِي هَذِهِ الدُّيُونِ عَلَى نِسْبَةِ أَحْكَامِ الدُّنْيَا، فَإِذَا حَكَمَ الشَّرْعُ فِي الدَّيْنِ بِسَبَبٍ مُبَاحٍ إذَا عَجَزَ أَنْ يُؤَدِّيَ عَنْهُ جَمِيعَ دَيْنِهِ مِنْ سَهْمِ الْغَارِمِينَ الْمُحَصَّلِ فِي بَيْتِ الْمَالِ عَلَى يَدِ حَاكِمِ الشَّرْعِ فَلَمْ يَرْجُو الْمَدِينُ الْعَاجِزُ عَنْ الْأَدَاءِ إلَى حِينِ مَوْتِهِ مِنْ غَيْرِ عِصْيَانٍ أَنَّ اللَّهَ يَقْضِي عَنْهُ بِإِرْضَاءِ غُرَمَائِهِ مِنْ خَزَائِنِ أَفْضَالِهِ كَمَا أَمَرَ خُلَفَاءَهُ أَنْ يَقْضُوا عَنْهُ مِنْ بُيُوتِ أَمْوَالِهِمْ؟ قَالَ: ثُمَّ مَا جَزَمُوا بِهِ مِنْ انْقِطَاعِ الطَّلَبِ عَنْهُ فِي الدُّنْيَا لَيْسَ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ لَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ مَا يَفِي بِمَا عَلَيْهِ وَجَبَ أَدَاؤُهُ مِنْهُ، وَهَذَا مِنْ دَقِيقِ الْفُرُوعِ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَتَنَبَّهَ لَهُ الْأَئِمَّةُ الْعَادِلُونَ وَالْقُضَاةُ الَّذِينَ تَحْتَ أَيْدِيهِمْ الزَّكَوَاتُ وَفِيهَا سَهْمُ الْغَارِمِينَ، وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى هَذَا ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ فَإِنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ أَحَادِيثَ تَعْظِيمِ الدَّيْنِ وَأَنَّهُ لَا يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ قَالَ: وَهَذَا مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.