أُمَّةُ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - خَبَرُهُ قَوْلُهُ فِيهَا الْآيَةَ وَفِي النَّحْلِ {وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ} [النحل: ٣٠] دَارُ الْآخِرَةِ فَحُذِفَتْ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهَا وَقَوْلُهُ {جَنَّاتُ عَدْنٍ} [النحل: ٣١] خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَخْصُوصُ بِالْمَدْحِ كَمَا فِي الْبَيْضَاوِيِّ.
وَعَنْ الْحَسَنِ هِيَ الدُّنْيَا؛ لِأَنَّ أَهْلَ التَّقْوَى يَتَزَوَّدُونَ فِيهَا إلَى الْآخِرَةِ {يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} [النحل: ٣١] تَحْتَ دُورِ أَهْلِهَا وَقُصُورِهِمْ وَمَسَاكِنِهِمْ {لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ} [النحل: ٣١] مِمَّا تَشْتَهِي الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ مَعَ زِيَادَاتٍ لَمْ تَرَ الْعَيْنُ وَلَمْ تَسْمَعْ الْأُذُنُ وَلَمْ تَخْطِرْ عَلَى قَلْبِ أَحَدٍ وَفِيهِ دَلَالَةٌ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَجِدُ جَمِيعَ مَا أَرَادَهُ إلَّا فِي الْجَنَّةِ {كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ} [النحل: ٣١] هَكَذَا يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ الْخَائِفِينَ {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ} [النحل: ٣٢] طَاهِرِينَ مِنْ الشِّرْكِ عَنْ مُجَاهِدٍ زَاكِيَةً أَقْوَالُهُمْ وَأَفْعَالُهُمْ وَقِيلَ طَيِّبِينَ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ لِكُلِّ حَسَنٍ فَتَشْمَلُ جَمِيعَ الْأَوَامِرِ وَفِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَاجْتِنَابَ كُلِّ الْمَنَاهِي وَالْمَكْرُوهَاتِ مَعَ الْأَخْلَاقِ الْحَسَنَةِ وَالْخِصَالِ الْمُرْضِيَةِ وَالْمُبَاعِدَةِ عَنْ الْأَخْلَاقِ الْمَذْمُومَةِ وَالْخِصَالِ الْمَكْرُوهَةِ.
وَقِيلَ مَعْنَاهُ وَفَاتُهُمْ طَيِّبَةٌ سَهْلَةٌ؛ لِأَنَّهُمْ يُبَشَّرُونَ عِنْدَ قَبْضِ أَرْوَاحِهِمْ بِالرِّضْوَانِ وَالْجَنَّةِ وَالْكَرَامَةِ فَيَحْصُلُ فَرَحٌ وَسُرُورٌ فَيَطِيبُ لَهُمْ الْمَوْتُ نُقِلَ عَنْ الْخَازِنِ وَقِيلَ فَرِحِينَ بِبِشَارَةِ الْمَلَائِكَةِ إيَّاهُمْ بِالْجَنَّةِ أَوْ طَيِّبِينَ بِقَبْضِ أَرْوَاحِهِمْ لِتَوَجُّهِ نُفُوسِهِمْ بِالْكُلِّيَّةِ إلَى حَضْرَةِ الْقُدْسِ {يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ} [النحل: ٣٢] مِنْ أَنْفُسِ الْمَلَائِكَةِ أَوْ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى أَيْ لَا يُخِيفُكُمْ بَعْدَ مَكْرُوهٍ {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: ٣٢] فِي الدُّنْيَا مِنْ صَالِحَاتِ الْأَعْمَالِ بِمَعْنَى السَّبَبِ الْعَادِيِّ التَّفَضُّلِيِّ لَا الْعَقْلِيُّ الْإِيجَابِيُّ كَمَا يَزْعُمُهُ الْمُعْتَزِلَةُ وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْآيَةِ مَعَ حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ» الْحَدِيثُ لَيْسَ بِمُتَعَارِضٍ وَقِيلَ مَعْنَى الْآيَاتِ دُخُولُ الْجَنَّةِ بِسَبَبِ الْأَعْمَالِ، ثُمَّ التَّوْفِيقُ لِلْأَعْمَالِ الْهِدَايَةُ لِلْإِخْلَاصِ فِيهَا وَقَبُولِهَا بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَفَضْلِهِ فَلَمْ يَدْخُلْ بِمُجَرَّدِ الْعَمَلِ، وَهُوَ مُرَادُ الْحَدِيثِ وَيَصِحُّ أَنَّهُ دَخَلَ بِالْأَعْمَالِ أَيْ بِسَبَبِهَا، وَهِيَ مِنْ الرَّحْمَةِ وَفِي الدُّخَانِ {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ} [الدخان: ٥١] مَوْضِعِ إقَامَةٍ {أَمِينٍ} [الدخان: ٥١] ذِي أَمَانَةٍ لَا ضَيَاعَ وَلَا آفَةَ فِيهِ وَلَا انْتِقَالَ أَوْ أَمِينٌ صَاحِبُهُ مِنْ الْمَوْتِ وَالْحَوَادِثِ أَوْ مِنْ الشَّيْطَانِ أَوْ مِنْ كُلِّ مِحَنٍ وَبُؤْسٍ وَشِدَّةٍ {فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} [الدخان: ٥٢] بَدَلٌ مِنْ مَقَامٍ جِيءَ بِهِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى نَزَاهَتِهِ وَاشْتِمَالِهِ عَلَى مَا يَسْتَلِذُّ بِهِ مِنْ الْمَأْكَلِ وَالْمَشَارِبِ {يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ} [الدخان: ٥٣] السُّنْدُسُ مَا رَقَّ مِنْ الْحَرِيرِ وَالْإِسْتَبْرَقُ مَا غَلُظَ مِنْهُ وَالْإِسْتَبْرَقُ مُعَرَّبٌ مِنْ سَتَبَرُّهُ وَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ كَوْنَ الْقُرْآنِ عَرَبِيًّا؛ لِأَنَّهُ بِالتَّعْرِيبِ يَخْرُجُ عَنْ الْعَجَمِيَّةِ وَلِذَا جَرَى عَلَيْهِ جَمِيعُ التَّصَرُّفَاتِ الْعَرَبِيَّةِ {مُتَقَابِلِينَ} [الدخان: ٥٣] يُقَابِلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا لِلْأُنْسِ وَالصُّحْبَةِ وَالْمُعَاشَرَةِ.
{كَذَلِكَ} [الدخان: ٥٤] كَمَا أَكْرَمْنَاهُمْ بِمَا وَصَفْنَا مِنْ الْجَنَّاتِ وَالْعُيُونِ وَاللِّبَاسِ أَكْرَمْنَاهُمْ {وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ} [الدخان: ٥٤] أَيْ قَرَنَّاهُمْ بِهِمْ قَالُوا ذَلِكَ لَيْسَ بِعَقْدِ التَّزْوِيجِ بَلْ مُجَرَّدُ الْمُقَارَنَةِ قُلْت لَا مَانِعَ مِنْ الْحَمْلِ عَلَى ظَاهِرِهِ وَلَا دَاعِي لِلصَّرْفِ عَنْ حَقِيقَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ وَالْحُورُ النَّقِيَّاتُ الْبَيَاضِ وَقِيلَ شَدِيدَاتُ بَيَاضِ الْعَيْنِ وَقِيلَ عَظِيمَةُ الْعَيْنَيْنِ {يَدْعُونَ فِيهَا} [الدخان: ٥٥] يَطْلُبُونَ {بِكُلِّ فَاكِهَةٍ} [الدخان: ٥٥] بِكُلِّ مَا يَشْتَهُونَ مِنْ الْفَوَاكِهِ {آمِنِينَ} [يوسف: ٩٩] مِنْ انْقِطَاعِهَا وَمَضَرَّتِهَا أَوْ مِنْ الْمَوْتِ أَوْ مِنْ كُلِّ مَخُوفٍ أَوْ مِنْ الشَّيْطَانِ {لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلا الْمَوْتَةَ الأُولَى} [الدخان: ٥٦] فِي الدُّنْيَا فَلِذَا قِيلَ لَفْظُ إلَّا بِمَعْنَى لَكِنْ {وَوَقَاهُمْ} [الدخان: ٥٦] .
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.