رَأْسِهِ - وَقِيلَ: بِعَيْنٍ فِي قَلْبِهِ، حَكَاهُمَا الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ، وَقَالَ الْإِمَامُ أبو محمد بن أبي جمرة فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى الْأَحَادِيثِ الَّتِي انْتَقَاهَا مِنَ الْبُخَارِيِّ: هَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَنْ رَآهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي النَّوْمِ فَسَيَرَاهُ فِي الْيَقَظَةِ، وَهَلْ هَذَا عَلَى عُمُومِهِ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَمَاتِهِ، أَوْ هَذَا كَانَ فِي حَيَاتِهِ؟ وَهَلْ ذَلِكَ لِكُلِّ مَنْ رَآهُ مُطْلَقًا أَوْ خَاصٌّ بِمَنْ فِيهِ الْأَهْلِيَّةُ وَالِاتِّبَاعُ لِسُنَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ؟ اللَّفْظُ يُعْطِي الْعُمُومَ، وَمَنْ يَدَّعِي الْخُصُوصَ فِيهِ بِغَيْرِ مُخَصِّصٍ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمُتَعَسِّفٌ، قَالَ: وَقَدْ وَقَعَ مِنْ بَعْضِ النَّاسِ عَدَمُ التَّصْدِيقِ بِعُمُومِهِ، وَقَالَ عَلَى مَا أَعْطَاهُ عَقْلُهُ: وَكَيْفَ يَكُونُ مَنْ قَدْ مَاتَ يَرَاهُ الْحَيُّ فِي عَالَمِ الشَّاهِدِ؟ قَالَ: وَفِي قَوْلِ هَذَا الْقَوْلِ مِنَ الْمَحْذُورِ وَجْهَانِ خَطِرَانِ، أَحَدُهُمَا: عَدَمُ التَّصْدِيقِ لِقَوْلِ الصَّادِقِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الَّذِي لَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، وَالثَّانِي: الْجَهْلُ بِقُدْرَةِ الْقَادِرِ وَتَعْجِيزِهَا كَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ قِصَّةَ الْبَقَرَةِ وَكَيْفَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى} [البقرة: ٧٣] وَقِصَّةَ إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي الْأَرْبَعِ مِنَ الطَّيْرِ، وَقِصَّةَ عُزَيْرٍ، فَالَّذِي جَعَلَ ضَرْبَ الْمَيِّتِ بِبَعْضِ الْبَقَرَةِ سَبَبًا لِحَيَاتِهِ، وَجَعَلَ دُعَاءَ إِبْرَاهِيمَ سَبَبًا لِإِحْيَاءِ الطُّيُورِ، وَجَعَلَ تَعَجُّبَ عُزَيْرٍ سَبَبًا لِمَوْتِهِ وَمَوْتِ حِمَارِهِ ثُمَّ لِإِحْيَائِهِمَا بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ - قَادِرٌ أَنْ يَجْعَلَ رُؤْيَتَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي النَّوْمِ سَبَبًا لِرُؤْيَتِهِ فِي الْيَقَظَةِ، وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ - أَظُنُّهُ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي النَّوْمِ فَتَذَكَّرَ هَذَا الْحَدِيثَ وَبَقِيَ يُفَكِّرُ فِيهِ ثُمَّ دَخَلَ عَلَى بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - أَظُنُّهَا ميمونة - فَقَصَّ عَلَيْهَا قِصَّتَهُ، فَقَامَتْ وَأَخْرَجَتْ لَهُ مِرْآتَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَنَظَرْتُ فِي الْمِرْآةِ فَرَأَيْتُ صُورَةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ أَرَ لِنَفْسِي صُورَةً، قَالَ: وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ وَهَلُمَّ جَرَّا [عَنْ جَمَاعَةٍ] مِمَّنْ كَانُوا رَأَوْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي النَّوْمِ وَكَانُوا مِمَّنْ يُصَدِّقُونَ بِهَذَا الْحَدِيثِ فَرَأَوْهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْيَقَظَةِ وَسَأَلُوهُ عَنْ أَشْيَاءَ كَانُوا مِنْهَا مُتَشَوِّشِينَ فَأَخْبَرَهُمْ بِتَفْرِيجِهَا وَنَصَّ لَهُمْ عَلَى الْوُجُوهِ الَّتِي مِنْهَا يَكُونُ فَرْجُهَا، فَجَاءَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بِلَا زِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ، قَالَ: وَالْمُنْكِرُ لِهَذَا لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يُصَدِّقَ بِكَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ أَوْ يُكَذِّبَ بِهَا، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِهَا فَقَدْ سَقَطَ الْبَحْثُ مَعَهُ فَإِنَّهُ يُكَذِّبُ مَا أَثْبَتَتْهُ السُّنَّةُ بِالدَّلَائِلِ الْوَاضِحَةِ، وَإِنْ كَانَ مُصَدِّقًا بِهَا فَهَذِهِ مِنْ ذَلِكَ الْقَبِيلِ لِأَنَّ الْأَوْلِيَاءَ يُكْشَفُ لَهُمْ بِخَرْقِ الْعَادَةِ عَنْ أَشْيَاءَ فِي الْعَالَمَيْنِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ عَدِيدَةٍ، فَلَا يُنْكَرُ هَذَا مَعَ التَّصْدِيقِ بِذَلِكَ، انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ أَبِي جَمْرَةَ، وَقَوْلُهُ: إِنَّ ذَلِكَ عَامٌّ وَلَيْسَ بِخَاصٍّ بِمَنْ فِيهِ الْأَهْلِيَّةُ وَالِاتِّبَاعُ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.