(وَمَنْ تَرَكَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَحَجُّهُ تَامٌّ) لِأَنَّ السَّعْيَ مِنْ الْوَاجِبَاتِ عِنْدَنَا فَيَلْزَمُ بِتَرْكِهِ الدَّمُ دُونَ الْفَسَادِ.
(وَمَنْ أَفَاضَ قَبْلَ الْإِمَامِ مِنْ عَرَفَاتٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الرُّكْنَ أَصْلُ الْوُقُوفِ فَلَا يَلْزَمُهُ بِتَرْكِ الْإِطَالَةِ شَيْءٌ. وَلَنَا أَنَّ الِاسْتِدَامَةَ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ وَاجِبَةٌ لِقَوْلِهِ ﵊ «فَادْفَعُوا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ» فَيَجِبُ بِتَرْكِهِ الدَّمُ، بِخِلَافِ مَا إذَا وَقَفَ لَيْلًا لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ الْوُقُوفِ عَلَى
الْحَجَرِ فَيُعْتَبَرُ ابْتِدَاءُ الطَّوَافِ مِنْهُ، وَقَدَّمْنَا فِيمَا سَلَفَ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جَعْلِ الْبَيْتِ عَنْ يَسَارِهِ فِي الدَّلِيلِ، وَجَعْلُ الْبَيْتِ عَنْ يَسَارِ الطَّائِفِ وَاجِبٌ، فَكَذَا ابْتِدَاءُ الطَّوَافِ مِنْ الْحَجَرِ وَاجِبٌ أَلْبَتَّةَ.
(قَوْلُهُ: وَمَنْ تَرَكَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَحَجُّهُ تَامٌّ)؛ لِأَنَّ السَّعْيَ مِنْ الْوَاجِبَاتِ عِنْدَنَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصْبُ الْخِلَافِ فِيهِ مَعَ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ، وَأَقَمْنَا دَلِيلَ الْوُجُوبِ وَأَبْطَلْنَا مَا جَعَلَهُ دَلِيلًا لِلرُّكْنِيَّةِ فَارْجِعْ إلَيْهِ فِي أَثْنَاءِ بَابِ الْإِحْرَامِ.
قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: وَإِذَا كَانَ السَّعْيُ وَاجِبًا فَإِنْ تَرَكَهُ لِعُذْرٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَرَكَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ لَزِمَ دَمٌ؛ لِأَنَّ هَذَا حُكْمُ تَرْكِ الْوَاجِبِ فِي هَذَا الْبَابِ. أَصْلُهُ طَوَافُ الصَّدْرِ، وَأَصْلُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلْيَكُنْ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ الطَّوَافَ» وَرَخَّصَ لِلْحَيْضِ فَأَسْقَطَهُ لِلْعُذْرِ، وَعَلَى هَذَا فَإِلْزَامُ الدَّمِ فِي الْكِتَابِ بِتَرْكِ السَّعْيِ يُحْمَلُ عَلَى عَدَمِ الْعُذْرِ، وَكَذَا يَلْزَمُ الدَّمُ بِتَرْكِ أَكْثَرِهِ، فَإِنْ تَرَكَ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ مِنْهُ لَزِمَهُ صَدَقَةٌ: أَيْ يُطْعِمُ لِكُلِّ شَوْطٍ مِسْكِينًا نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ أَوْ قِيمَتِهِ إلَّا أَنْ يَبْلُغَ ذَلِكَ دَمًا فَهُوَ بِالْخِيَارِ، وَكَمَا يَلْزَمُهُ بِتَرْكِهِ الدَّمُ فَكَذَلِكَ يَلْزَمُ بِرُكُوبِهِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ إلَّا إنْ رَكِبَ لِعُذْرٍ، وَتَقَدَّمَ فِي الْهِدَايَةِ أَنَّ فِي تَرْكِ الْوُقُوفِ بِمُزْدَلِفَةَ لِغَيْرِ عُذْرٍ دَمًا لَا لِعُذْرٍ.
(قَوْلُهُ: وَمَنْ أَفَاضَ قَبْلَ الْإِمَامِ) قَدْ تَرَكْنَا مَوَاضِعَ مِنْ هَذَا الْفَصْلِ؛ لِأَنَّهَا مُفَصَّلَةٌ وَاضِحَةٌ فِي الْكِتَابِ فَتُرَاجَعُ فِيهِ. ثُمَّ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ؛ لِأَنَّهُ الْمَدَارُ إلَّا أَنَّ الْإِفَاضَةَ مِنْ الْإِمَامِ لَمَّا لَمْ تَكُنْ قَطُّ إلَّا عَلَى الْوَجْهِ الْوَاجِبِ أَعْنِي بَعْدَ الْغُرُوبِ وَضَعَ الْمَسْأَلَةَ بِاعْتِبَارِهَا، وَأَشَارَ فِي الدَّلِيلِ إلَى خُصُوصِ الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: وَلَنَا أَنَّ الِاسْتِدَامَةَ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ وَاجِبَةٌ. وَالْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊ «فَادْفَعُوا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ» غَرِيبٌ، وَلَا شُبْهَةَ فِي أَنَّهُ ﵊ دَفَعَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: كُلُّ مَا وَقَعَ مِنْ قَوْلِهِ ﵊ فِي الْحَجِّ يُحْمَلُ عَلَى الْوُجُوبِ إلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ خِلَافَهُ لِقَوْلِهِ ﵊ «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» وَأَيْضًا مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ الْحَاكِمِ عَنْ الْمِسْوَرِ «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ أَهْلَ الشِّرْكِ كَانُوا يَدْفَعُونَ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ إذَا كَانَتْ الشَّمْسُ عَلَى رُءُوسِ الْجِبَالِ مِثْلَ عَمَائِمِ الرِّجَالِ فِي وُجُوهِهَا، وَإِنَّا نَدْفَعُ بَعْدَ أَنْ تَغِيبَ»، فَإِنَّ هَذَا السَّوْقَ يُفِيدُ الْوُجُوبَ بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ فِيهِ. وَمَسَائِلُ الْإِفَاضَةِ قَبْلَ الْغُرُوبِ ذَكَرْنَاهَا فِي بَحْثِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَارْجِعْ إلَيْهَا تَسْتَغْنِ عَنْ إعَادَتِهَا هُنَا.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.