يَسْقُطُ الدَّيْنُ عَنْ ذِمَّةِ الْمَسْبِيِّ. وَلَنَا أَنَّ مَعَ التَّبَايُنِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا لَا تَنْتَظِمُ الْمَصَالِحُ فَشَابَهُ الْمَحْرَمِيَّةَ.
وَالسَّبْيُ يُوجِبُ مِلْكَ الرَّقَبَةِ وَهُوَ لَا يُنَافِي النِّكَاحَ ابْتِدَاءً فَكَذَلِكَ بَقَاءً
لِثُبُوتِ الصَّفَاءِ بِالسَّبْيِ (يَسْقُطُ، مَا عَلَى الْمَسْبِيِّ مِنْ دَيْنٍ) إنْ كَانَ لِكَافِرٍ عَلَيْهِ لِعَدَمِ احْتِرَامِهِ، فَكَذَا يَسْقُطُ حَقُّ الزَّوْجِ الْحَرْبِيِّ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الصَّفَاءَ مُوجِبٌ لِمِلْكِ مَا يَحْتَمِلُ التَّمَلُّكَ وَمِلْكُ النِّكَاحِ كَذَلِكَ فَخَلَصَ لَهُ عِنْدَ عَدَمِ احْتِرَامِ الْحَقِّ الْمُتَعَلِّقِ بِهِ وَصَارَ سُقُوطُ مِلْكِ الزَّوْجِ عَنْهَا كَسُقُوطِهِ عَنْ جَمِيعِ أَمْلَاكِهِ فَإِنَّهَا تَذْهَبُ.
وَيُؤَيِّدُهُ مِنْ الْمَنْقُولِ «أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَسْلَمَ فِي مُعَسْكَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ حِينَ أَتَى بِهِ الْعَبَّاسُ وَزَوْجَتَهُ هِنْدَ بِمَكَّةَ وَهِيَ دَارُ حَرْبٍ إذْ ذَاكَ وَلَمْ يَأْمُرْهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَجْدِيدِ نِكَاحِهِمَا». وَلَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ هَرَبَ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ حَتَّى أَسْلَمَتْ امْرَأَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا وَأَخَذَتْ الْأَمَانَ لِزَوْجِهَا وَذَهَبَتْ فَجَاءَتْ بِهِ وَلَمْ يُجَدَّدْ نِكَاحُهُمَا. وَتَبَايُنُ الدَّارَيْنِ بَيْنَ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ زَوْجِ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَضِيَ عَنْهَا أَظْهَرُ وَأَشْهَرُ فَإِنَّهَا هَاجَرَتْ إلَى الْمَدِينَةِ وَتَرَكَتْهُ بِمَكَّةَ عَلَى شِرْكِهِ، ثُمَّ جَاءَ وَأَسْلَمَ بَعْدَ سِنِينَ، قِيلَ ثَلَاثُ سِنِينَ، وَقِيلَ سِتٌّ، وَقِيلَ ثَمَانٍ فَرَدَّهَا عَلَيْهِ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ فَهَذِهِ كُلُّهَا نُصُوصٌ لِمَا عَلَّلْنَا بِهِ. وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا عَلَى إثْبَاتِ عِلَّتِهِ بِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ نَزَلَتْ فِي سَبَايَا أَوْطَاسٍ وَكُنَّ سُبِينَ مَعَ أَزْوَاجِهِنَّ، وَقَدْ عُلِمَ «أَنَّ مُنَادِيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَادَى أَلَا لَا تُنْكَحُ الْحَبَالَى حَتَّى يَضَعْنَ، وَلَا الْحَيَالَى حَتَّى يَحِضْنَ» فَقَدْ اسْتَثْنَى الْمَسْبِيَّاتِ مَعَ أَزْوَاجِهِنَّ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ، فَظَهَرَ أَنَّ السَّبْيَ يُوجِبُ الْفُرْقَةَ. وَقَوْلُهُ كَالْحَرْبِيِّ الْمُسْتَأْمَنِ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ أَصْلُ قِيَاسٍ وَفَرْعُهُ الْخَارِجُ إلَيْنَا مُسْلِمًا مِنْ دَارِ الْحَرْبِ أَوْ ذِمِّيًّا، وَالْحُكْمُ عَدَمُ الْفُرْقَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ بِجَامِعِ عَدَمِ سَبْيِهِمَا فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ الْعَدَمِيِّ بِالْمَعْنَى الْعَدَمِيِّ، وَعَلَى هَذَا فَالسَّوْقُ لِإِثْبَاتِ الْفَرْعِ، لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ تَأْثِيرِ التَّبَايُنِ فَحَقُّ اللَّفْظِ هَكَذَا لَا يُؤَثِّرُ فِي الْفُرْقَةِ لِتَخَلُّفِهِ فِي الْمُسْتَأْمَنِ إلَخْ (قَوْلُهُ وَلَنَا أَنَّ مَعَ التَّبَايُنِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا لَا تَنْتَظِمُ الْمَصَالِحُ) الَّتِي شُرِعَ النِّكَاحُ لَهَا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْخَارِجَ إلَيْنَا مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا لَا يَعُودُ، وَالْكَائِنُ هُنَاكَ لَا يَخْرُجُ إلَيْنَا فَكَانَ التَّبَايُنُ مُنَافِيًا لَهُ، فَكَانَ اعْتِرَاضُهُ قَاطِعًا، كَاعْتِرَاضِ الْمَحْرَمِيَّةِ بِالرَّضَاعِ، وَتَقْبِيلِ ابْنِ الزَّوْجِ بِشَهْوَةٍ مَثَلًا لَمَّا نَافَتْهُ كَانَ اعْتِرَاضُهَا قَاطِعًا.
. ثُمَّ الشَّرْعُ يُفْسِدُ تَعْيِينَ السَّبْيِ عِلَّةً فَقَالَ (وَالسَّبْيُ يُوجِبُ مِلْكَ الرَّقَبَةِ) يَعْنِي يَمْنَعُ أَنْ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.