وَالسَّجْدَةُ وَاجِبَةٌ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ عَلَى التَّالِي وَالسَّامِعِ) سَوَاءٌ قَصَدَ سَمَاعَ الْقُرْآنِ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ لِقَوْلِهِ ﵊ «السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا وَعَلَى مَنْ تَلَاهَا»
ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَسْجُدُ فِي حم السَّجْدَةَ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى ﴿لا يَسْأَمُونَ﴾ وَزَادَ فِي لَفْظٍ، وَأَنَّهُ رَأَى رَجُلًا سَجَدَ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ فَقَالَ لَهُ: لَقَدْ عَجِلْتَ.
(قَوْلُهُ: وَالسَّجْدَةُ وَاجِبَةٌ) يَعْنِي بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ أَوْ هِيَ أَوْ بَدَلِهَا فَإِنَّهُ لَوْ تَلَاهَا رَاكِبًا كَانَ الْوَاجِبُ الْإِيمَاءَ لَهَا لِمَا سَنَذْكُرُ؛ وَلِأَنَّ الْمَتْلُوَّةَ فِي الصَّلَاةِ الْتَحَقَتْ بِأَفْعَالِ الصَّلَاةِ. وَالصَّلَاةُ عَلَى الدَّابَّةِ يَكُونُ سُجُودُهَا بِالْإِيمَاءِ، وَحَدِيثُ «السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا» رَفْعُهُ غَرِيبٌ وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ " السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا " وَفِي الْبُخَارِيِّ تَعْلِيقًا، وَقَالَ عُثْمَانُ: إنَّمَا السُّجُودُ عَلَى مَنْ اسْتَمَعَ، وَهَذَا الْمُعَلَّقُ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ عُثْمَانَ مَرَّ بِقَاصٍّ فَقَرَأَ سَجْدَةً لِيَسْجُدَ مَعَهُ عُثْمَانُ، فَقَالَ عُثْمَانُ: إنَّمَا السُّجُودُ عَلَى مَنْ اسْتَمَعَ ثُمَّ مَضَى وَلَمْ يَسْجُدْ. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْإِيمَانِ يَرْفَعُهُ «إذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي يَقُولُ يَا وَيْلَهُ، أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيْتُ فَلِيَ النَّارُ».
وَالْأَصْلُ أَنَّ الْحَكِيمَ إذَا حَكَى عَنْ غَيْرِ الْحَكِيمِ كَلَامًا وَلَمْ يُعَقِّبْهُ بِالْإِنْكَارِ كَانَ دَلِيلَ صِحَّتِهِ، فَهَذَا ظَاهِرٌ فِي الْوُجُوبِ مَعَ أَنَّ آيَ السَّجْدَةِ تُفِيدُهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ فِيهِ الْأَمْرُ الصَّرِيحُ بِهِ. وَقِسْمٌ تَضَمَّنَ حِكَايَةَ اسْتِنْكَافِ الْكَفَرَةِ حَيْثُ أُمِرُوا بِهِ. وَقِسْمٌ فِيهِ حِكَايَةُ فِعْلِ الْأَنْبِيَاءِ السُّجُودَ. وَكُلٌّ مِنْ الِامْتِثَالِ وَالِاقْتِدَاءِ وَمُخَالَفَةِ الْكَفَرَةِ وَاجِبٌ، إلَّا أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ فِي مُعَيَّنٍ عَلَى عَدَمِ لُزُومِهِ، لَكِنَّ دَلَالَتَهَا فِيهِ ظَنِّيَّةٌ فَكَانَ الثَّابِتُ الْوُجُوبَ لَا الْفَرْضَ، وَالِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ ثُبُوتَهَا عَلَى الْمُكَلَّفِينَ مُقَيَّدٌ بِالتِّلَاوَةِ لَا مُطْلَقًا فَلَزِمَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا أُدِّيَتْ بِالْإِيمَاءِ إذَا تَلَاهَا رَاكِبًا؛ لِأَنَّ الشُّرُوعَ فِي التِّلَاوَةِ رَاكِبًا مَشْرُوعٌ كَالشَّرْعِ فِي التَّطَوُّعِ رَاكِبًا مِنْ حَيْثُ إنَّهُمَا سَبَبَا لُزُومِ السَّجْدَةِ، فَكَمَا أَوْجَبَ التَّطَوُّعُ رَاكِبًا السُّجُودَ بِالْإِيمَاءِ أَوْجَبَهَا التِّلَاوَةُ كَذَلِكَ. وَإِنَّمَا أُدِّيَتْ فِي ضِمْنِ السَّجْدَةِ الصُّلْبِيَّةِ وَالرُّكُوعِ لِمَا نَذْكُرُ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَتْلُوَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ أَوْ الْفَارِسِيَّةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَهِمَ السَّامِعُ أَوْ لَا إذَا أُخْبِرَ أَنَّهُ قَرَأَ سَجْدَةً، وَعِنْدَهُمَا يُشْتَرَطُ عِلْمُهُ بِأَنَّهُ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَلَوْ قَرَأَ بِالْعَرَبِيَّةِ يَلْزَمُهُ مُطْلَقًا، لَكِنْ لَا يَجِبُ عَلَى الْأَعْجَمِيِّ مَا لَمْ يَعْلَمْ، وَلَا تَجِبُ بِكِتَابَةٍ وَلَا عَلَى أَصَمَّ أَوَّلًا بِقِرَاءَةِ آيَةِ السَّجْدَةِ هِجَاءً، وَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ قَوْلِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ «قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ النَّجْمَ فَلَمْ يَسْجُدْ» لَا يُفِيدُ نَفْيَ الْوُجُوبِ وَالسُّنِّيَّةِ فِي الْمُفَصَّلِ كَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ مَالِكٌ ﵁، إذْ هُوَ وَاقِعَةُ حَالِ فَيَجُوزُ كَوْنُهُ لِلْقِرَاءَةِ فِي وَقْتٍ مَكْرُوهٍ، أَوْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ، أَوْ لِيُبَيِّنَ أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَى الْفَوْرِ، وَهَذَا الْأَخِيرُ عَلَى التَّعْيِينِ مَحْمَلُ حَدِيثِ عُمَرَ الْمَرْوِيِّ فِي الْمُوَطَّأِ " أَنَّهُ قَرَأَ سَجْدَةً وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَنَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ، ثُمَّ قَرَأَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى فَتَهَيَّأَ النَّاسُ لِلسُّجُودِ فَقَالَ: عَلَى رِسْلِكُمْ إنَّ اللَّهَ لَمْ يَكْتُبْهَا عَلَيْنَا إلَّا أَنْ نَشَاءَ فَلَمْ يَسْجُدْ وَمَنَعَهُمْ ".
وَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ لِمَالِكٍ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.