وَالْأَيْمَانِ الْحَانِثَةِ فَجَمِيعُ ذَلِكَ يُكْرَهُ الدُّعَاءُ فِيهِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْقُرْبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى أَحْسَنِ الْهَيْئَاتِ فِي أَحْسَنِ الْبِقَاعِ وَالْأَزْمَانِ وَيَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ هَذَا الْمَعْنَى «نَهْيُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الصَّلَاةِ فِي الْمَزْبَلَةِ وَالْمَجْزَرَةِ وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ» ، فَإِنْ أَعْجَزَهُ الْخُلُوصُ مِنْ ذَلِكَ حَصَلَ لَهُ الدُّعَاءُ مَعَ فَوَاتِ رُتْبَةِ الدُّعَاءِ كَالصَّلَاةِ فِي الْبِقَاعِ الْمَكْرُوهَةِ.
(السَّبَبُ الثَّانِي) لِلْكَرَاهَةِ الْهَيْئَاتُ كَالدُّعَاءِ مَعَ النُّعَاسِ وَفَرْطِ الشِّبَعِ وَمُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ أَوْ مُلَابَسَةِ النَّجَاسَاتِ وَالْقَاذُورَاتِ أَوْ قَضَاءِ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْهَيْئَاتِ الَّتِي لَا تُنَاسَبُ التَّقَرُّبَ إلَى ذِي الْجَلَالِ، فَإِنْ فَعَلَ صَحَّ مَعَ فَوَاتِ رُتْبَةِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
مَوْطِنٍ يُمْكِنُ فِيهِ تَحْسِينُهُ وَعَدَمُ إسَاءَتِهِ فَيُظَنُّ أَنَّهُمْ ظَانُّونَ أَنَّ ذَلِكَ حَقِيقَةُ التَّوَكُّلِ بَلْ الظَّنُّ بِهِمْ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ التَّوَكُّلِ وَأَنَّهُ كَمَا لَا يُنَافِي التَّسَبُّبَ كَذَلِكَ لَا يُنَافِي عَدَمَ التَّسَبُّبِ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ عَلَى أَنَّ التَّوَكُّلَ لَا بُدَّ مَعَهُ مِنْ التَّسَبُّبِ إذْ مَسَاقُ كَلَامِهِ يَقْتَضِي أَنَّ التَّوَكُّلَ يَصِحُّ مَعَ التَّسَبُّبِ وَمَعَ عَدَمِهِ، وَمَا عَدَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى التَّوَكُّلِ مَعَ التَّسَبُّبِ إلَّا لِأَنَّهُ الْمُعَلِّمُ الْمُقْتَدَى بِهِ وَالِاقْتِدَاءُ بِهِ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالْخَوَاصِّ بَلْ يَعُمُّهُمْ وَغَيْرَهُمْ، وَالْجُمْهُورُ قَلَّمَا تَطْمَئِنُّ نُفُوسُهُمْ إلَّا مَعَ التَّسَبُّبِ. اهـ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ وَلَقَدْ سَمِعْت أَبَا الْمَعَالِي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ إنَّ مَنْ جَرَى مَعَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عَادَةِ النَّاسِ جَرَى اللَّهُ مَعَهُ عَلَى مَا هُوَ عَادَةُ النَّاسِ فِي كِفَايَةِ الْمُؤْنَةِ وَهَذَا كَلَامٌ حَسَنٌ جِدًّا وَفِيهِ فَوَائِدُ جَمَّةٌ لِمَنْ تَأَمَّلَهَا اهـ بِلَفْظِهِ قُلْت يَعْنِي أَنَّ مَنْ جَرَى مَعَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى أَنَّ كِفَايَةَ الْمُؤْنَةِ بِالسَّبَبِ جَرَى اللَّهُ مَعَهُ عَلَى الْكِفَايَةِ بِالسَّبَبِ وَمَنْ جَرَى مَعَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى أَنَّ كِفَايَتَهَا بِدُونِ السَّبَبِ جَرَى اللَّهُ مَعَهُ عَلَى الْكِفَايَةِ بِدُونِ السَّبَبِ. قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ وَالْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ وَارِدَةٌ عَلَى الْغَالِبِ لَا عَلَى النَّادِرِ مَعَ أَنَّهُ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنَّ التَّوَكُّلَ، وَإِنْ صَحَّ مَعَ التَّسَبُّبِ وَعَدَمِهِ فَالتَّوَكُّلُ مَعَ التَّسَبُّبِ رَاجِحٌ فِي حَقِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْحَاجَةِ لِتَعْلِيمِ الْجُمْهُورِ كَمَا سَبَقَ وَلَا مِنْهُ مِنْ شَائِبَةِ مُرَاعَاةِ الْأَسْبَابِ لِعِصْمَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالتَّوَكُّلُ مَعَ عَدَمِ التَّسَبُّبِ رَاجِحٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِ لِعَدَمِ أَمْنِهِ مِنْ شَائِبَةِ مُرَاعَاةِ الْأَسْبَابِ لِعَدَمِ عِصْمَتِهِ اهـ، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِهِ مِنْهَاجُ الْعَابِدِينَ إنَّ أَخْذَ الزَّادِ فِي السَّفَرِ أَفْضَلُ مِنْ تَرْكِهِ لِمُقْتَدًى بِهِ يُرِيدُ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ أَخْذَ الزَّادِ مُبَاحٌ أَوْ يَنْوِيَ بِهِ عَوْنَ مُسْلِمٍ أَوْ إغَاثَةَ مَلْهُوفٍ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وَتَرْكُهُ أَفْضَلُ مِنْ أَخْذِهِ لِمَنْ كَانَ مُنْفَرِدًا قَوِيَّ الْقَلْبِ بِاَللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِشَغْلِهِ بِالزَّادِ عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ فَالشَّأْنُ إذًا فِي الْقَلْبِ لَا فِي حَمْلِ الزَّادِ وَتَرْكِهِ، فَكَمْ مِنْ حَامِلٍ لِلزَّادِ وَقَلْبُهُ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى دُونَ الزَّادِ يَقُولُ الرِّزْقُ مَقْسُومٌ مَفْرُوغٌ مِنْهُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى إنْ شَاءَ أَقَامَ بِنْيَتِي بِهَذَا أَوْ بِغَيْرِهِ أَوْ يَنْوِيَ بِحَمْلِهِ أَنْ يُعِينَ بِهِ مُسْلِمًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ وَكَمْ مِنْ تَارِكٍ لِلزَّادِ وَقَلْبُهُ مَعَ الزَّادِ دُونَ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ فَحَمْلُ الزَّادِ مُبَاحٌ غَيْرُ حَرَامٍ لِوُقُوعِهِ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَكَذَا مِنْ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ الصَّالِحِ، وَإِنَّمَا الْحَرَامُ تَعْلِيقُ الْقَلْبِ بِالزَّادِ وَتَرْكُ التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فَافْهَمْ ذَلِكَ ثُمَّ مَا ظَنُّك بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَيْثُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ} [الفرقان: ٥٨] أَعَصَاهُ فِي ذَلِكَ وَعَلَّقَ قَلْبَهُ بِطَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ أَوْ دِرْهَمٍ أَوْ دِينَارٍ؟ كَلًّا وَحَاشَا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَلْ كَانَ قَلْبُهُ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى وَتَوَكُّلُهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى كَمَا أَمَرَهُ فَإِنَّهُ الَّذِي لَمْ يَلْتَفِتْ إلَى الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا وَلَمْ يَمُدَّ يَدَهُ إلَى مَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ كُلِّهَا، وَإِنَّمَا كَانَ أَخْذُ الزَّادِ مِنْهُ وَمِنْ السَّلَفِ الصَّالِح بِنِيَّاتِ الْخَيْرِ لَا لِمَيْلِ قُلُوبِهِمْ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى إلَى الزَّادِ وَالْمُعْتَبَرُ الْقَصْدُ عَلَى مَا أَعْلَمْنَاك فَافْهَمْ وَانْتَبِهْ اهـ بِتَصَرُّفٍ. قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ عِنْدَ بَيَانِ حَقِيقَةِ التَّوَكُّلِ وَالْأَدَبِ اعْتَرَفَ بِأَنَّ حَقِيقَةَ التَّوَكُّلِ الْمُعَامَلَةُ بِمُقْتَضَى شُمُولِ الْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ مَعَ الْإِعْرَاضِ عَنْ الْأَسْبَابِ وَهُوَ عَيْنُ مَا عَابَ عَلَى الْعُبَّادِ حَيْثُ قَالَ ظَانِّينَ أَنَّ هَذِهِ الْحَالَةَ هِيَ حَقِيقَةُ التَّوَكُّلِ فَقَوْلُهُ هُنَا مُنَاقِضٌ لِظَاهِرِهِ لِذَلِكَ، وَقَوْلُهُ إنَّ قِلَّةَ الْأَدَبِ مَمْنُوعَةٌ مُسَلَّمٌ وَلَكِنَّهُ يَفْتَقِرُ إلَى دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْأَدْعِيَةِ مِنْ جُمْلَةِ قِلَّةِ الْأَدَبِ وقَوْله تَعَالَى {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: ١٩٥] وقَوْله تَعَالَى {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة: ١٩٧] لَيْسَ فِيهِمَا دَلِيلٌ عَلَى مَنْعِ طَلَبِ الْمُسْتَحِيلِ، وَإِنَّمَا دَلِيلٌ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ ارْتِكَابِ الْعَمَلِ عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ، وَالْعَمَلُ عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ مُغَايِرٌ لِطَلَبِ خَرْقِهَا إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْمَنْعِ مِنْ أَحَدِهِمَا الْمَنْعُ مِنْ الْآخَرِ اهـ قُلْت عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ الْغَزَالِيَّ قَالَ فِي الْمِنْهَاجِ إنَّ فِي قَوْله تَعَالَى {وَتَزَوَّدُوا} [البقرة: ١٩٧] إلَخْ قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ زَادُ الْآخِرَةِ وَلِذَلِكَ قَالَ {خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة: ١٩٧] وَلَمْ يَقُلْ حُطَامَ الدُّنْيَا وَأَسْبَابَهَا، وَالثَّانِي أَنَّهُ كَانَ قَوْمٌ لَا يَأْخُذُونَ زَادًا فِي طَرِيقِ الْحَجِّ لِأَنْفُسِهِمْ اتِّكَالًا عَلَى النَّاسِ وَيَسْأَلُونَ النَّاسَ وَيَشْكُونَ وَيُلِحُّونَ وَيُؤْذُونَ النَّاسَ فَأُمِرُوا بِالزَّادِ أَمْرَ تَنْبِيهٍ عَلَى أَنَّ أَخْذَ الزَّادِ مِنْ مَالِكٍ خَيْرٌ مِنْ أَخْذِ مَالِ النَّاسِ وَالِاتِّكَالِ عَلَيْهِمْ، وَكَذَلِكَ نَقُولُ اهـ، وَقَالَ ابْنُ الشَّاطِّ وَعَلَى أَنَّ إجَازَةَ الْأَصْلِ دُعَاءُ مَنْ لَيْسَ بِوَلِيٍّ بِخِرَقِ الْعَادَةِ إجَازَةٌ لِلدُّعَاءِ بِخَرْقِ الْعَادَةِ فَكُلُّ مَا أَنْكَرَهُ مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ أَجَازَهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ وَإِذَا أَجَازَهُ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ فَقَدْ أَجَازَ عَلَى الْجُمْلَةِ فَلَا يَصِحُّ لَهُ مَنْعُهُ بَعْدَ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.