٣١٧٩ - كَمَا حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَنَّ مَالِكًا أَخْبَرَهُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " وَرَأَيْتُ، أَوْ أُرِيتُ النَّارَ، وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ "، قَالُوا: لِمَ يَا رَسُولَ اللهِ؟، قَالَ: " بِكُفْرِهِنَّ "، قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ؟، قَالَ: " يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ ". فَسَمَّى مَا يَكُونُ مِنْهُنَّ مِمَّا يُغَطِّينَ بِهِ الْإِحْسَانَ كُفْرًا. وَمِنْ ذَلِكَ مَا قَدْ رُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: " سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ ". وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ بِإِسْنَادِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَّا فِي كِتَابِنَا هَذَا , وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلَى الْكُفْرِ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَكِنَّهُ مَا قَدْ رَكِبَ إيمَانَهُ وَغَطَّاهُ مِنْ قَبِيحِ فِعْلِهِ. وَمِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: " لَيْسَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ إِلَّا تَرْكُ الصَّلَاةِ " هُوَ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا، وَاللهُ أَعْلَمُ، حَتَّى تَصِحَّ هَذِهِ الْآثَارُ، وَلَا تَخْتَلِفَ. ⦗٢٠٥⦘ وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي تَارِكِ الصَّلَاةِ كَمَا ذَكَرْنَا، فَجَعَلَهُ بَعْضُهُمْ بِذَلِكَ مُرْتَدًّا عَنِ الْإِسْلَامِ، وَجَعَلَ حُكْمَهُ حُكْمَ مَنْ يُسْتَتَابُ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ، مِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَجْعَلْهُ بِذَلِكَ مُرْتَدًّا، وَجَعَلَهُ مِنْ فَاسِقِي الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْهُمْ، وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللهُ، وَأَصْحَابُهُ، وَكَانَ هَذَا الْقَوْلُ أَوْلَى عِنْدَنَا بِالْقِيَاسِ ; لِأَنَّا قَدْ وَجَدْنَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَرَائِضَ عَلَى عِبَادِهِ فِي أَوْقَاتٍ خَوَاصٍّ، مِنْهَا الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَمِنْهَا صِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَكَانَ مَنْ تَرَكَ صَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا بِغَيْرِ جَحْدٍ لِفَرْضِهِ عَلَيْهِ لَا يَكُونُ بِذَلِكَ كَافِرًا، وَلَا عَنِ الْإِسْلَامِ مُرْتَدًّا، فَكَانَ مِثْلَهُ تَارِكُ الصَّلَاةِ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا، لَا عَلَى الْجُحُودِ بِهَا، وَلَا عَلَى كُفْرٍ بِهَا، لَا يَكُونُ بِذَلِكَ مُرْتَدًّا، وَلَا عَنِ الْإِسْلَامِ خَارِجًا، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّا نَأْمُرُهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَلَا نَأْمُرُ كَافِرًا بِالصَّلَاةِ، ⦗٢٠٦⦘ وَلَوْ كَانَ بِمَا كَانَ مِنْهُ كَافِرًا لَأَمَرْنَاهُ بِالْإِسْلَامِ، فَإِذَا أَسْلَمَ أَمَرْنَاهُ بِالصَّلَاةِ، وَفِي تَرْكِنَا لِذَلِكَ وَأَمْرِنَا إيَّاهُ بِالصَّلَاةِ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ، وَمِنْ ذَلِكَ أَمْرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي أَفْطَرَ فِي يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا بِالْكَفَّارَةِ الَّتِي أَمَرَهُ بِهَا فِيهِ، وَفِيهَا الصِّيَامُ، وَلَا يَكُونُ الصِّيَامُ إِلَّا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمَّا كَانَ الرَّجُلُ يَكُونُ مُسْلِمًا إذَا أَقَرَّ بِالْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ بِمَا يُوجِبُهُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ مِنَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَمِنْ صِيَامِ رَمَضَانَ، كَانَ كَذَلِكَ يَكُونُ كَافِرًا بِجُحُودِهِ لِذَلِكَ، وَلَا يَكُونُ كَافِرًا بِتَرْكِهِ إيَّاهُ بِغَيْرِ جُحُودٍ مِنْهُ لَهُ، وَلَا يَكُونُ كَافِرًا إِلَّا مِنْ حَيْثُ كَانَ مُسْلِمًا , وَإِسْلَامُهُ كَانَ بِإِقْرَارِهِ بِالْإِسْلَامِ، وَكَذَلِكَ رِدَّتُهُ لَا تَكُونُ إِلَّا بِجُحُودِهِ الْإِسْلَامَ، وَاللهَ عَزَّ وَجَلَّ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.