بِالْحِجَارَةِ، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ دَخَلَ الْقَصْرَ فَأَغْلَقَهُ، فَأَحَاطَ بِهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ وَأَصْحَابُهُ فَدَنَا الْوَلِيدُ مِنَ الْبَابِ فَقَالَ: أَمَا فِيكُمْ رَجُلٌ شَرِيفٌ لَهُ حَسَبٌ وَحَيَاءٌ أُكَلِّمُهُ، فَقَالَ لَهُ يَزِيدُ بْنُ عَنْبَسَةَ: كَلِّمْنِي، فَقَالَ: يَا أَخَا السَّكَاسِكِ أَلَمْ أَزِدْ فِي أَعْطِيَاتِكُمْ أَلَمْ أَرْفَعْ عَنْكُمُ الْمُؤْنَ أَلَمْ أُعْطِ فُقَرَاءَكُمْ؟ فَقَالَ: مَا نَنْقِمُ عَلَيْكَ فِي أَنْفُسِنَا لَكِنْ نَنْقِمُ عَلَيْكَ انْتِهَاكَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَشُرْبَ الْخَمْرِ وَنِكاحَ أُمَّهَاتِ أَوْلادِ أَبِيكَ وَاسْتِخْفَافَكَ بِأَمْرِ اللَّهِ، قَالَ: حَسْبُكَ، قَدْ أَكْثَرْتَ، وَرَجَعَ إِلَى الدَّارِ فَجَلَسَ وَأَخَذَ مُصْحَفًا وَقَالَ: يَومٌ كَيَوْمِ عُثْمَانَ وَنَشَرَ الْمُصْحَفَ يَقْرَأُ، فَعَلَوُا الْحَائِطَ فَكَانَ أَوَّلُهْم يَزِيدُ بْنُ عَنْبَسَةَ١.
فَنَزَلَ إِلَيْهِ وَسَيْفُ الْوَلِيدِ إِلَى جَنْبِهِ فَقَالَ: نَحِّ سَيْفَكَ، قَالَ الْوَلِيدُ: لَوْ أَرَدْتَ السَّيْفَ كَانَ لِي بِذَلِكَ حَالٌ غَيْرَ هَذِهِ، فَأَخَذَ بِيَدِ الْوَلِيدِ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَعْتَقِلَهُ وَيُؤَامَرُ فِيهِ فَنَزَلَ مِنَ الْحَائِطِ عَشَرَةٌ مِنْهُمْ مَنْصُورُ بْنُ جَمْهُورٍ وَحُمَيْدُ بْنُ نَصْرٍ. فَضَرَبَهُ عَبْدُ السَّلامِ اللَّخْمِيُّ عَلَى رَأْسِهِ وَضَرَبَهُ آخَرُ عَلَى وَجْهِهِ فَتَلِفَ - وَجَرُّوهُ بَيْنَ خَمْسَةٍ لِيُخْرِجُوهُ فَصَاحَتِ امْرَأَةٌ، فَكَفُّوا وَحَزُّوا رَأْسَهُ وَخَاطُوا الضَّرْبَةَ الَّتِي فِي وَجْهِهِ وَأَتَى يَزِيدُ النَّاقِصُ بِالرَّأْسِ فَسَجَدَ.
وَبِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَرْوَانَ حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ: دَخَلَ بِشْرٌ مَوْلَى كِنَانَةَ مِنَ الْحَائِطِ فَفَرَّ الْوَلِيدُ وَهُمْ يَشْتُمُونَهُ فَضَرَبَهُ بِشْرٌ عَلَى رَأْسِهِ وَاعْتَوَرَهُ النَّاسُ بِأَسْيَافِهِمْ فَطَرَحَ عَبْدُ السَّلامِ نَفْسَهُ عَلَيْهِ فَاحْتَزَّ رَأْسَهُ، وَكَانَ يَزِيدُ قَدْ جَعَلَ لِمَنْ أَتَاهُ بِالرَّأْسِ مِائَةَ أَلْفٍ.
وَقِيلَ: قُطِعَتْ كَفُّهُ وَبُعِثَ بِهَا إِلَى يَزِيدَ فَسَبَقَتِ الرَّأْسَ بِلَيْلَةٍ وَأُتِيَ بالرَّأْسِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ فَنَصَبَهُ يَزِيدُ عَلَى رُمْحٍ بَعْدَ الصَّلاةِ فَنَظَرَ إِلَيْهِ أَخُوهُ سُلَيْمَانُ بْنُ يَزِيدَ فَقَالَ: بُعْدًا لَهُ أَشْهَدُ أَنَّهُ كَانَ شَرُوبًا لِلْخَمْرِ مَاجِنًا فَاسِقًا وَلَقَدْ رَاوَدَنِي عَلَى نَفْسِي.
قَالَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ وَجَمَاعَةٌ: عَاش الْوَلِيدُ خَمْسًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً.
قُلْتُ: هَذَا خِلافُ مَا مَرَّ، بَلِ الأَصَحُّ أَنَّهُ عَاشَ بِضْعًا وَثَلاثِينَ سَنَةً.
قَالَ خَلِيفَةُ وَغَيْرُهُ: عَاشَ سِتًّا وَثَلاثِينَ سَنَةً.
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: ثنا سُفْيَانُ قَالَ: لَمَّا قُتِلَ الْوَلِيدُ كَانَ بِالْكُوفَةِ رَجُلٌ سَدِيدُ الْعَقْلِ فَقَالَ لِخَلَفِ بْنِ حَوْشَبٍ: اصْنَعْ طَعَامًا وَاجْمَعْ لَهُ، قَالَ: فَجَمَعَهُمْ فَقَالَ سُلَيْمَانُ الأَعْمَشُ: أَنَا لَكُمُ النَّذِيرُ كَفَّ رَجُلٌ يَدَهُ وملك لسانه وعالج قلبه.
١ راجع: تاريخ ابن الأثير "٥/ ٢٨٧" بنحوه.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.