وَقَوْلِهِ: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ الْآيَةَ [٢٤ \ ٣٩] ، وَقَوْلِهِ: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ [١٤ \ ١٨] ، وَمَعَ هَذَا فَهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ عَمَلَهُمْ حَسَنٌ مَقْبُولٌ عِنْدَ اللَّهِ.
وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ الْآيَةَ نَازِلَةٌ فِي الْكُفَّارِ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ كُفْرَهُمْ صَوَابٌ وَحَقٌّ، وَأَنَّ فِيهِ رِضَا رَبِّهِمْ، كَمَا قَالَ عَنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [٣٩ \ ٣] ، وَقَالَ عَنْهُمْ: وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ [١٠ \ ١٨] ، وَقَالَ عَنِ الرُّهْبَانِ الَّذِينَ يَتَقَرَّبُونَ إِلَى اللَّهِ عَلَى غَيْرِ شَرْعٍ صَحِيحٍ: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً الْآيَةَ [٨٨ \ ٢ - ٤] ، عَلَى الْقَوْلِ فِيهَا بِذَلِكَ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي الْكُفَّارِ: إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ [٧ \ ٣٠] ، وَقَوْلُهُ: وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ [٤٣ \ ٣٧] ، وَالدَّلِيلُ عَلَى نُزُولِهَا فِي الْكُفَّارِ تَصْرِيحُهُ تَعَالَى بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ بَعْدَهُ يَلِيهِ: أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ الْآيَةَ [١٨ \ ١٠٥] ، فَقَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّهُمُ الْكُفَّارُ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّهُمُ الرُّهْبَانُ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ الْكَافِرُونَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّ ذَلِكَ تَشْمَلُهُ هَذِهِ الْآيَةُ، وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَأَلَهُ ابْنُهُ مُصْعَبٌ عَنِ «الْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا» فِي هَذِهِ الْآيَةِ هَلْ هُمُ الْحَرُورِيَّةُ؟ فَقَالَ لَا، هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، أَمَّا الْيَهُودُ فَكَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَمَّا النَّصَارَى فَكَفَرُوا بِالْجَنَّةِ، وَقَالُوا لَا طَعَامَ فِيهَا، وَلَا شَرَابَ، وَالْحَرُورِيَّةُ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ، وَكَانَ سَعِيدٌ يُسَمِّيهِمُ الْفَاسِقِينَ، اهـ مِنَ الْبُخَارِيِّ، وَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ أَنَّهُمْ أَهْلُ حَرُورَاءَ الْمَعْرُوفُونَ بِالْحَرُورِيِّينَ مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ يَكُونُ فِيهِمْ مِنْ مَعْنَى الْآيَةِ بِقَدْرِ مَا فَعَلُوا ; لِأَنَّهُمْ يَرْتَكِبُونَ أُمُورًا شَنِيعَةً مِنَ الضَّلَالِ، وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّهَا هِيَ مَعْنَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَقَدْ ضَلَّ سَعْيُهُمْ وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا، وَإِنْ كَانُوا فِي ذَلِكَ أَقَلَّ مِنَ الْكُفَّارِ الْمُجَاهِرِينَ ; لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ الْأَلْفَاظِ لَا بِخُصُوصِ الْأَسْبَابِ كَمَا قَدْ قَدَّمَنَا إِيضَاحَهُ وَأَدِلَّتَهُ.
وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ [١٨ \ ١٠٤] ، أَيْ: بَطَلَ وَاضْمَحَلَّ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الضَّلَالَ يُطْلَقُ فِي الْقُرْآنِ وَاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ ثَلَاثَةَ إِطْلَاقَاتٍ:
الْأَوَّلُ: الضَّلَالُ بِمَعْنَى الذَّهَابِ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ إِلَى طَرِيقِ الْبَاطِلِ، كَالذَّهَابِ عَنْ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.