وَلِقَوْلِ عَائِشَةَ الْمُتَقَدِّمِ: مَا لَنَا طَعَامٌ إِلَّا الْأَسْوَدَانِ الْمَاءُ وَالتَّمْرُ، وَلِقَوْلِ الشَّاعِرِ: [الطَّوِيلِ]
فَإِنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمْ ... وَإِنْ شِئْتِ لَمْ أُطْعِمْ نُقَاخًا وَلَا بَرْدًا
وَالنُّقَاخُ: الْمَاءُ الْبَارِدُ، هَذَا هُوَ حُجَّةُ الشَّافِعِيَّةِ فِي أَنَّ عِلَّةَ الرِّبَا فِي الْأَرْبَعَةِ الطَّعْمُ، فَأَلْحَقُوا بِهَا كُلَّ مَطْعُومٍ ; لِلْعِلَّةِ الْجَامِعَةِ بَيْنَهُمَا.
قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: الِاسْتِدْلَالُ بِحَدِيثِ مَعْمَرٍ الْمَذْكُورِ عَلَى أَنَّ عِلَّةَ الرِّبَا الطَّعْمُ لَا يَخْلُو عِنْدِي مِنْ نَظَرٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ; لِأَنَّ مَعْمَرًا الْمَذْكُورَ لَمَّا قَالَ: قَدْ كُنْتُ أَسْمَعُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ» . قَالَ عَقِبَهُ: وَكَانَ طَعَامُنَا يَوْمَئِذٍ الشَّعِيرَ كَمَا رَوَاهُ عَنْهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الطَّعَامَ فِي عُرْفِهِمْ يَوْمَئِذٍ الشَّعِيرُ، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الْعُرْفَ الْمُقَارَنَ لِلْخِطَابِ مِنْ مُخَصَّصَاتِ النَّصِّ الْعَامِّ، وَعَقَدَهُ فِي «مَرَاقِي السُّعُودِ» بِقَوْلِهِ فِي مَبْحَثِ الْمُخَصَّصِ الْمُنْفَصِلِ عَاطِفًا عَلَى مَا يُخَصِّصُ الْعُمُومَ: [الرَّجَزِ]
وَالْعُرْفُ حَيْثُ قَارَنَ الْخِطَابَا ... وَدَعْ ضَمِيرَ الْبَعْضِ وَالْأَسْبَابَا
وَأَشْهَرُ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ عِلَّةَ الرِّبَا فِي الْأَرْبَعَةِ كَوْنُهَا مَكِيلَةَ جِنْسٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعَلَيْهِ يُحَرَّمُ الرِّبَا فِي كُلِّ مَكِيلٍ، وَلَوْ غَيْرَ طَعَامٍ كَالْجِصِّ وَالنَّوْرَةِ وَالْأُشْنَانِ. وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عُبَادَةَ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَا وُزِنَ مِثْلًا بِمِثْلٍ إِذَا كَانَ نَوْعًا وَاحِدًا وَمَا كِيلَ فَمِثْلُ ذَلِكَ، فَإِذَا اخْتَلَفَ النَّوْعَانِ فَلَا بَأْسَ بِهِ» ، قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّوْكَانِيُّ فِي «نَيْلِ الْأَوْطَارِ» : حَدِيثُ أَنَسٍ وَعُبَادَةَ أَشَارَ إِلَيْهِ فِي «التَّلْخِيصِ» وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَيْهِ، وَفِي إِسْنَادِهِ الرَّبِيعُ بْنُ صُبَيْحٍ وَثَّقَهُ أَبُو زُرْعَةَ وَغَيْرُهُ، وَضَعَّفَهُ جَمَاعَةٌ، وَقَدْ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ الْبَزَّارُ أَيْضًا، وَيَشْهَدُ لِصِحَّتِهِ حَدِيثُ عُبَادَةَ الْمَذْكُورُ أَوَّلًا وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ. اهـ مِنْهُ بِلَفْظِهِ.
وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُمْ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقَالَ: «أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا» قَالَ: إِنَّا لَنَأْخُذَ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ، وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ، فَقَالَ: «لَا تَفْعَلْ، بِعِ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا» ، وَقَالَ: فِي الْمِيزَانِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَوَجْهُ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.