وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي " السُّنَنِ الْكُبْرَى " أَيْضًا عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ: هَلْ يَجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي السَّفَرِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، أَلَمْ تَرَ إِلَى صَلَاةِ النَّاسِ بِعَرَفَةَ اهـ. مِنْهُ بِلَفْظِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي " زَادِ الْمَعَادِ ": قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَيَدُلُّ عَلَى جَمْعِ التَّقْدِيمِ جَمْعُهُ بِعَرَفَةَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ لِمَصْلَحَةِ الْوُقُوفِ لِيَتَّصِلَ وَقْتُ الدُّعَاءِ وَلَا يَقْطَعَهُ بِالنُّزُولِ لِصَلَاةِ الْعَصْرِ مَعَ إِمْكَانِ ذَلِكَ بِلَا مَشَقَّةٍ، فَالْجَمْعُ كَذَلِكَ لِأَجْلِ الْمَشَقَّةِ وَالْحَاجَةِ أَوْلَى.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَكَانَ أَرْفَقُ بِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ تَقْدِيمُ الْعَصْرِ ; لِأَنْ يَتَّصِلَ لَهُ الدُّعَاءُ فَلَا يَقْطَعَهُ بِصَلَاةِ الْعَصْرِ، وَالتَّأْخِيرُ أَرْفَقُ بِالْمُزْدَلِفَةِ ; لِأَنْ يَتَّصِلَ لَهُ الْمُسَيَّرُ وَلَا يَقْطَعُهُ لِلنُّزُولِ لِلْمَغْرِبِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّضْيِيقِ عَلَى النَّاسِ اهـ. مِنْ " زَادَ الْمَعَادِ ".
فَبِهَذِهِ الْأَدِلَّةِ الَّتِي سُقْنَاهَا فِي هَذَا الْمَبْحَثِ تَعْلَمُ أَنَّ الْعَصْرَ مُشْتَرِكَةٌ مَعَ الظُّهْرِ فِي وَقْتِهَا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَأَنَّ الْعِشَاءَ مُشْتَرِكَةٌ مَعَ الْمَغْرِبِ فِي وَقْتِهَا عِنْدَ الضَّرُورَةِ أَيْضًا، وَأَنَّ الظُّهْرَ مُشْتَرِكَةٌ مَعَ الْعَصْرِ فِي وَقْتِهَا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَأَنَّ الْمَغْرِبَ مُشْتَرِكَةٌ مَعَ الْعِشَاءِ فِي وَقْتِهَا عِنْدَ الضَّرُورَةِ أَيْضًا، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْأَئِمَّةَ الَّذِينَ خَالَفُوا مَالِكًا رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي امْتِدَادِ وَقْتِ الضَّرُورَةِ لِلظَّهْرِ إِلَى الْغُرُوبِ وَامْتِدَادِ وَقْتِ الضَّرُورَةِ لِلْمَغْرِبِ إِلَى الْفَجْرِ كَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَمَنْ وَافَقَهُمَا أَنَّهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ مُوَافِقُونَ لَهُ لِاعْتِرَافِهِمْ بِأَنَّ الْحَائِضَ إِذَا طَهُرَتْ قَبْلَ الْغُرُوبِ بِرَكْعَةٍ صَلَّتِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ مَعًا، وَكَذَلِكَ إِذَا طَهُرَتْ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ بِرَكْعَةٍ صَلَّتِ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ كَمَا قَدَّمْنَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، فَلَوْ كَانَ الْوَقْتُ خَرَجَ بِالْكُلِّيَّةِ لَمْ يَلْزَمْهَا أَنْ تُصَلِّيَ الظُّهْرَ وَلَا الْمَغْرِبَ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْحَائِضَ لَا تَقْضِي مَا فَاتَ وَقْتُهُ مِنَ الصَّلَوَاتِ وَهِيَ حَائِضٌ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي " شَرْحِ الْمُهَذَّبِ ": قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَنَا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمَعْذُورِ الظُّهْرُ بِمَا تَجِبُ بِهِ الْعَصْرُ، وَبِهِ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَفُقَهَاءُ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةِ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمْ.
وَقَالَ الْحَسَنُ وَحَمَّادٌ وَقَتَادَةُ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَدَاوُدُ: لَا تَجِبُ عَلَيْهِ. اهـ. مِنْهُ بِلَفْظِهِ، وَمَالِكٌ يُوجِبُهَا بِقَدْرِ مَا تُصَلَّى فِيهِ الْأُولَى مِنْ مُشْتَرَكَتَيِّ الْوَقْتِ مَعَ بَقَاءِ رَكْعَةٍ فَهُوَ أَرْبَعٌ فِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَخَمْسٌ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ لِلْحَاضِرِ، وَثَلَاثٌ لِلْمُسَافِرِ.
وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي " الْمُغْنِي ": وَرُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ يَعْنِي إِدْرَاكَ الظُّهْرِ مَثَلًا بِمَا
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.