لَا يُرْضِي اللَّهَ، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ [٢ \ ٢٨٤] ، فَلَوْ لَمْ تُنْسَخِ الْمُحَاسَبَةُ بِخَطَرَاتِ الْقُلُوبِ لَكَانَ الِامْتِثَالُ صَعْبًا جِدًّا، شَاقًّا عَلَى النُّفُوسِ، لَا يَكَادُ يَسْلَمُ مِنَ الْإِخْلَالِ بِهِ، إِلَّا مَنْ سَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَشَكَّ أَنَّ نَسْخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [٢ \ ٢٨٦] ، خَيْرٌ لِلْمُكَلَّفِ مِنْ بَقَاءِ ذَلِكَ الْحُكْمِ الشَّاقِّ، وَهَكَذَا.
وَالْجَوَابُ عَنِ الْإِشْكَالِ الثَّانِي: هُوَ أَنَّ قَوْلَهُ: أَوْ مِثْلِهَا، يُرَادُ بِهِ مُمَاثَلَةُ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ فِي حَدِّ ذَاتِهِمَا ; فَلَا يُنَافِي أَنْ يَكُونَ النَّاسِخُ يَسْتَلْزِمُ فَوَائِدَ خَارِجَةً عَنْ ذَاتِهِ يَكُونُ بِهَا خَيْرًا مِنَ الْمَنْسُوخِ، فَيَكُونُ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ مُمَاثِلًا لِلْمَنْسُوخِ، وَبِاعْتِبَارِ مَا يَسْتَلْزِمُهُ مِنَ الْفَوَائِدِ الَّتِي لَا تُوجَدُ فِي الْمَنْسُوخِ خَيْرًا مِنَ الْمَنْسُوخِ.
وَإِيضَاحُهُ: أَنَّ عَامَّةَ الْمُفَسِّرِينَ يُمَثِّلُونَ لِقَوْلِهِ: أَوْ مِثْلِهَا، بِنَسْخِ اسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِاسْتِقْبَالِ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ ; فَإِنَّ هَذَا النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ بِالنَّظَرِ إِلَى ذَاتِهِمَا مُتَمَاثِلَانِ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جِهَةٌ مِنَ الْجِهَاتِ، وَهِيَ فِي حَقِيقَةِ أَنْفُسِهَا مُتَسَاوِيَةٌ، فَلَا يُنَافِي أَنْ يَكُونَ النَّاسِخُ مُشْتَمِلًا عَلَى حِكَمٍ خَارِجَةٍ عَنْ ذَاتِهِ تُصَيِّرُهُ خَيْرًا مِنَ الْمَنْسُوخِ بِذَلِكَ الِاعْتِبَارِ. فَإِنَّ اسْتِقْبَالَ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ تَلْزَمُهُ نَتَائِجُ مُتَعَدِّدَةٌ مُشَارٌ لَهَا فِي الْقُرْآنِ لَيْسَتْ مَوْجُودَةً فِي اسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، مِنْهَا: أَنَّهُ يَسْقُطُ بِهِ احْتِجَاجُ كُفَّارِ مَكَّةَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِمْ: تَزْعُمُ أَنَّكَ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَلَا تَسْتَقْبِلُ قِبْلَتَهَا! وَتَسْقُطُ بِهِ حُجَّةُ الْيَهُودِ بِقَوْلِهِمْ: تَعِيبُ دِينَنَا وَتَسْتَقْبِلُ قِبْلَتَنَا، وَقِبْلَتُنَا مِنْ دِينِنَا! وَتَسْقُطُ بِهِ أَيْضًا حُجَّةُ عُلَمَاءِ الْيَهُودِ فَإِنَّهُمْ عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ: أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَوْفَ يُؤْمَرُ بِاسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ يُؤْمَرُ بِالتَّحَوُّلِ عَنْهُ إِلَى اسْتِقْبَالِ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ. فَلَوْ لَمْ يُؤْمَرْ بِذَلِكَ لَاحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِمَا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ مِنْ أَنَّهُ سَيُحَوَّلُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، وَالْفَرْضُ أَنَّهُ لَمْ يُحَوَّلْ.
وَقَدْ أَشَارَ تَعَالَى إِلَى هَذِهِ الْحِكَمِ الَّتِي هِيَ إِدْحَاضُ هَذِهِ الْحُجَجِ الْبَاطِلَةِ بِقَوْلِهِ: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا [٢ \ ١٥٠] ، ثُمَّ بَيَّنَ الْحِكْمَةَ بِقَوْلِهِ: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ الْآيَةَ [٢ \ ١٥٠] ، وَإِسْقَاطُ هَذِهِ الْحُجَجِ مِنَ الدَّوَاعِي الَّتِي دَعَتْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى حُبِّ التَّحْوِيلِ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الْآيَةَ [٢ \ ١٤٤] .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: اعْلَمْ أَنَّ النَّسْخَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.