اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِصَفْوَانَ أَعِرْنَا سِلَاحَكَ وَهِيَ عَلَيْنَا ضَمَانٌ حَتَّى نَأْتِيَكَ بِهَا
فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّهُ إنَّمَا شَرَطَ لَهُ ضَمَانَ الرَّدِّ وَذَلِكَ لِأَنَّ صَفْوَانَ كَانَ حَرْبِيًّا كَافِرًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَظَنَّ أَنَّهُ يَأْخُذُهَا عَلَى جِهَةِ اسْتِبَاحَةِ مَالِهِ كَسَائِرِ أَمْوَالِ الْحَرْبِيِّينَ وَلِذَلِكَ قَالَ لَهُ أَغَصْبًا تَأْخُذُهَا يَا مُحَمَّدُ فَقَالَ لَا بَلْ عَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ حَتَّى أُؤَدِّيَهَا إلَيْكَ وَعَارِيَّةٌ مُؤَدَّاةٌ فَأَخْبَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ يَأْخُذُهَا عَلَى أَنَّهَا عَارِيَّةٌ مُؤَدَّاةٌ وَأَنَّهُ لَيْسَ يَأْخُذُهَا عَلَى سَبِيلِ مَا تُؤْخَذُ عَلَيْهِ أَمْوَالُ أَهْلِ الْحَرْبِ وَهُوَ كَقَوْلِ الْقَائِلِ أَنَا ضَامِنٌ لِحَاجَتِكَ يَعْنِي الْقِيَامَ بِهَا وَالسَّعْيَ فِيهَا حَتَّى يَقْضِيَهَا قَالَ الشَّاعِرُ يَصِفُ نَاقَةً:
بِتِلْكَ أُسَلِّي حَاجَةً إنْ ضَمِنْتهَا ... وَأُبْرِئُ هَمًّا كَانَ فِي الصَّدْرِ دَاخِلَا
قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ فِي قَوْلِهِ إنْ ضَمِنْتهَا يَعْنِي إنْ هممت وَأَرَدْتهَا وَأَيْضًا فَإِنَّا نُسَلِّمُ لِلْمُخَالِفِ صِحَّةَ الْخَبَرِ بِمَا رُوِيَ فِيهِ مِنْ الضَّمَانِ وَنَقُولُ إنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى مَوْضِعِ الْخِلَافِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَالَ عَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ فَجَعَلَ الْأَدْرَاعُ الَّتِي قَبَضَهَا مَضْمُونَةً وَهَذَا يَقْتَضِي ضَمَانَ عَيْنِهَا بِالرَّدِّ لَا ضَمَانَ قِيمَتِهَا إذْ لَمْ يَقُلْ أَضْمَنُ قِيمَتَهَا وَغَيْرُ جَائِزٍ صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ الْحَقِيقَةِ إلَى الْمَجَازِ إلَّا بِدَلَالَةٍ وَأَيْضًا فِيمَا ادَّعَى الْمُخَالِفُ إثْبَاتَ ضَمِيرٍ فِي اللَّفْظِ لَا دَلَالَةَ عَلَيْهِ وَهُوَ ضَمَانُ الْقِيمَةِ وَلَا يَجُوزُ إثْبَاتُهُ إلَّا بِدَلَالَةٍ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مَضْمُونَةً ضَمَانَ الْقِيمَةِ عِنْدَ الْهَلَاكِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا فَقَدَ مِنْهَا أَدْرَاعًا قَالَ لِصَفْوَانَ إنْ شِئْت غَرِمْنَاهَا لَكَ فَلَوْ كَانَ ضَمَانُ الْقِيمَةِ قَدْ حَصَلَ عَلَيْهِ لَمَا قَالَ إنْ شِئْت غَرِمْنَاهَا لَكَ وَهُوَ غَارِمٌ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْغُرْمَ لَمْ يَجِبْ بِالْهَلَاكِ وَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَغْرَمَهَا إذَا شَاءَ ذَلِكَ صَفْوَانُ مُتَبَرِّعًا بِالْغُرْمِ أَلَا تَرَى
أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا اسْتَقْرَضَ عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبِيعَةَ ثَلَاثِينَ أَلْفًا فِي هَذِهِ الْغَزَاةِ أَيْضًا ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَرُدَّهَا إلَى عَبْدِ اللَّهِ أَبَى عَبْدُ اللَّهِ أَنْ يَقْبَلَهَا فَقَالَ لَهُ خُذْهَا فَإِنَّ جَزَاءَ الْقَرْضِ الْوَفَاءُ وَالْحَمْدُ
فَلَوْ كَانَ الْغُرْمُ لَازِمًا فِيمَا فُقِدَ مِنْ الْأَدْرَاعِ لَمَا قَالَ إنْ شِئْت غَرِمْنَاهَا لَكَ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ضَامِنًا لِقِيمَةِ مَا فُقِدَ أَنَّهُ قَالَ لَا فَإِنَّ فِي قَلْبِيِّ الْيَوْمَ مِنْ الْإِيمَانِ مَا لَمْ يَكُنْ قَبْلُ وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مَضْمُونَةَ الْقِيمَةِ لِأَنَّ مَا كَانَ مَضْمُونًا لَا يَخْتَلِفُ حُكْمُهُ فِي الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ وَقَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا إنَّ صَفْوَانَ لَمَّا كَانَ حَرْبِيًّا جَازَ أَنْ يَشْرِطَ لَهُ ذَلِكَ إذْ قَدْ يَجُوزُ فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَهْلِ الْحَرْبِ مِنْ الشُّرُوطِ مَا لَا يَجُوزُ فِيمَا بَيْنَنَا بَعْضَنَا لِبَعْضٍ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَرْتَهِنَ مِنْهُمْ الْأَحْرَارَ وَلَا يَجُوزُ مِثْلُهُ فيما بيننا أو كان أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ يَأْبَى هَذَا التَّأْوِيلَ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.