لَا يَجُوزُ. قَرَأَ الْجُمْهُورُ: أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى عَلَى الْخَبَرِ بِدُونِ اسْتِفْهَامٍ، وَوَجْهُهُ مَا تَقَدَّمَ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ:
«أَنْ جَاءَهُ» بِالْمَدِّ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ، فَهُوَ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ عَبَسَ وَتَوَلَّى، وَالتَّقْدِيرُ: أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى تَوَلَّى وَأَعْرَضَ، وَمِثْلُ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ «١» وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي سُورَةِ الْكَهْفِ: وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا «٢» وَقَوْلُهُ: أَوْ يَذَّكَّرُ عَطْفٌ عَلَى يَزَّكَّى دَاخِلٌ مَعَهُ فِي حُكْمِ التَّرَجِّي، أَيْ: أَوْ يَتَذَكَّرُ فَيَتَّعِظُ بِمَا تَعَلَّمَهُ مِنَ الْمَوَاعِظِ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى أَيِ: الْمَوْعِظَةُ. قَرَأَ الْجُمْهُورُ: «فَتَنْفَعُهُ» بِالرَّفْعِ، وَقَرَأَ عاصم ابن أَبِي إِسْحَاقَ وَعِيسَى وَالسُّلَمِيُّ وَزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ بِالنَّصْبِ عَلَى جَوَابِ التَّرَجِّي أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى أَيْ كَانَ ذَا ثَرْوَةٍ وَغِنًى، أَوِ اسْتَغْنَى عَنِ الْإِيمَانِ وَعَمَّا عِنْدَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى أَيْ: تُصْغِي لِكَلَامِهِ، وَالتَّصَدِّي: الْإِصْغَاءُ. قَرَأَ الْجُمْهُورُ: «تَصَدَّى» بِالتَّخْفِيفِ عَلَى طَرْحِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ تَخْفِيفًا، وَقَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالتَّشْدِيدِ عَلَى الْإِدْغَامِ، وَفِي هَذَا مَزِيدُ تَنْفِيرٍ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْإِقْبَالِ عَلَيْهِمْ وَالْإِصْغَاءِ إِلَى كَلَامِهِمْ وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ عَلَيْكَ فِي أَنْ لَا يُسْلِمَ وَلَا يَهْتَدِي، فَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ، فَلَا تَهْتَمَّ بِأَمْرِ مِنْ كَانَ هَكَذَا مِنَ الْكُفَّارِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ «مَا» نَافِيَةً، أَيْ: لَيْسَ عَلَيْكَ بَأْسٌ فِي أَنْ لَا يَتَزَكَّى مَنْ تَصَدَّيْتَ لَهُ وَأَقْبَلْتَ عَلَيْهِ، وَتَكُونُ الْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ تَصَدَّى. ثُمَّ زَادَ سُبْحَانَهُ فِي مُعَاتَبَةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى أَيْ: وَصَلَ إِلَيْكَ حَالَ كَوْنِهِ مُسْرِعًا فِي الْمَجِيءِ إِلَيْكَ طَالِبًا مِنْكَ أَنْ تُرْشِدَهُ إِلَى الْخَيْرِ وَتَعِظَهُ بِمَوَاعِظِ اللَّهِ، وَجُمْلَةُ وَهُوَ يَخْشى حَالٌ مِنْ فَاعِلِ يَسْعَى عَلَى التَّدَاخُلِ، أَوْ مِنْ فَاعِلِ جَاءَكَ عَلَى التَّرَادُفِ فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى أَيْ: تَتَشَاغَلُ عَنْهُ، وتعرض عن الإقبال عليه، وَالتَّلَهِّي:
التَّشَاغُلُ وَالتَّغَافُلُ، يُقَالُ: لَهَيْتُ عَنِ الْأَمْرِ أَلْهَى، أَيْ: تَشَاغَلْتُ عَنْهُ، وَكَذَا تَلَهَّيْتُ. وَقَوْلُهُ: كَلَّا رَدْعٌ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمَّا عُوتِبَ عَلَيْهِ، أَيْ: لَا تَفْعَلْ بَعْدَ هَذَا الْوَاقِعِ مِنْكَ مِثْلَهُ مِنْ الْإِعْرَاضِ عَنِ الْفَقِيرِ، وَالتَّصَدِّي لِلْغَنِيِّ وَالتَّشَاغُلِ بِهِ، مَعَ كَوْنِهِ ليس ممن يتزكى عن إرشاد من جَاءَكَ مِنْ أَهْلِ التَّزَكِّي وَالْقَبُولِ لِلْمَوْعِظَةِ، وَهَذَا الْوَاقِعُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ مِنْ بَابِ تَرْكِ الْأَوْلَى، فَأَرْشَدَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ إِلَى مَا هُوَ الْأَوْلَى بِهِ إِنَّها تَذْكِرَةٌ أَيْ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ أَوِ السُّورَةَ مَوْعِظَةٌ، حَقُّهَا أَنْ تَتَّعِظَ بِهَا وَتَقْبَلَهَا وَتَعْمَلَ بِمُوجِبِهَا وَيَعْمَلَ بِهَا كُلُّ أُمَّتِكَ فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ أَيْ: فَمَنْ رَغِبَ فِيهَا اتَّعَظَ بِهَا وَحَفِظَهَا وَعَمِلَ بِمُوجِبِهَا، وَمَنْ رَغِبَ عَنْهَا كَمَا فَعَلَهُ مَنِ اسْتَغْنَى فَلَا حَاجَةَ إِلَى الِاهْتِمَامِ بِأَمْرِهِ. قِيلَ: الضَّمِيرَانِ فِي «إِنَّهَا» ، وَفِي «ذَكَرَهُ» لِلْقُرْآنِ، وَتَأْنِيثُ الْأَوَّلِ لِتَأْنِيثِ خَبَرِهِ. وَقِيلَ: الْأَوَّلُ لِلسُّورَةِ، أَوْ لِلْآيَاتِ السَّابِقَةِ، وَالثَّانِي لِلتَّذْكِرَةِ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الذِّكْرِ، وَقِيلَ: إِنْ مَعْنَى فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ فَمَنْ شَاءَ اللَّهُ أَلْهَمَهُ وَفَهَّمَهُ الْقُرْآنَ حَتَّى يَذَّكَّرَهُ وَيَتَّعِظَ بِهِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى. ثُمَّ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ عَنْ عِظَمِ هَذِهِ التَّذْكِرَةِ وَجَلَالَتِهَا فَقَالَ: فِي صُحُفٍ أَيْ: إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ كائنة في صحف، فالجار والمجرور صفة لتذكرة، وَمَا بَيْنَهُمَا اعْتِرَاضٌ، وَالصُّحُفُ: جَمْعُ صَحِيفَةٍ، وَمَعْنَى مُكَرَّمَةٍ أنها مكرمة عند الله
(١) . الأنعام: ٥٢.(٢) . الكهف: ٢٨. [.....]
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.