أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا فَاعْلَمْ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ لَا يَقْدِرُونَ إِلَى/مَاذَا يَرْجِعُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عَائِدٌ إِلَى مَعْلُومٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ، أَيْ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنَ الْخَلْقِ عَلَى ذَلِكَ الْبَذْرِ الْمُلْقَى فِي ذَلِكَ التُّرَابِ الَّذِي كَانَ عَلَى ذَلِكَ الصَّفْوَانِ، لِأَنَّهُ زَالَ ذَلِكَ التُّرَابَ وَذَلِكَ مَا كَانَ فِيهِ، فَلَمْ يَبْقَ لِأَحَدٍ قُدْرَةٌ عَلَى الِانْتِفَاعِ بِذَلِكَ الْبَذْرِ، وَهَذَا يُقَوِّي الْوَجْهَ الثَّانِيَ فِي التَّشْبِيهِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَفَّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَكَذَا الْمَانُّ وَالْمُؤْذِي وَالْمُنَافِقُ لَا يَنْتَفِعُ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِعَمَلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالثَّانِي: أَنَّهُ عَائِدٌ إِلَى قَوْلِهِ كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ وَخَرَجَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، لِأَنَّ قَوْلَهُ كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ إِنَّمَا أُشِيرَ بِهِ إِلَى الْجِنْسِ، وَالْجِنْسُ فِي حُكْمِ الْعَامِّ، قَالَ الْقَفَّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَفِيهِ وَجْهٌ ثَالِثٌ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَرْدُودًا عَلَى قَوْلِهِ لَا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى فَإِنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ لَمْ تَقْدِرُوا عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبْتُمْ، فَرَجَعَ عَنِ الْخِطَابِ إِلَى الْغَائِبِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ [يونس: ٢٢] .
ثم قال: وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ وَمَعْنَاهُ عَلَى قَوْلِهِمْ: سَلْبُ الْإِيمَانِ، وَعَلَى قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ: إِنَّهُ تَعَالَى يُضِلُّهُمْ عَنِ الثَّوَابِ وَطَرِيقِ الْجَنَّةِ بِسُوءِ اختيارهم.
في قوله تعالى وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ إلى قوله وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.
اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ مَثَلَ الْمُنْفِقِ الَّذِي يَكُونُ مَانًّا وَمُؤْذِيًا ذَكَرَ مَثَلَ الْمُنْفِقِ الَّذِي لَا يَكُونُ كَذَلِكَ، وَهُوَ هَذِهِ الْآيَةُ، وَبَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ غَرَضَ هَؤُلَاءِ الْمُنْفِقِينَ مِنْ هَذَا الْإِنْفَاقِ أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا: طَلَبُ مَرْضَاةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالِابْتِغَاءُ افْتِعَالٌ مِنْ بَغَيْتُ أَيْ طَلَبْتُ، وَسَوَاءٌ قَوْلُكَ: بَغَيْتُ وَابْتَغَيْتُ.
وَالْغَرَضُ الثَّانِي: هُوَ تَثْبِيتُ النَّفْسِ، وَفِيهِ وُجُوهٌ أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ يُوَطِّنُونَ أَنْفُسَهُمْ عَلَى حِفْظِ هَذِهِ الطَّاعَةِ وَتَرْكِ مَا يُفْسِدُهَا، وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ تَرْكُ إِتْبَاعِهَا بِالْمَنِّ وَالْأَذَى، وَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي وَثَانِيهَا: وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ عِنْدَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا صَادِقَةٌ فِي الْإِيمَانِ مُخْلِصَةٌ فِيهِ، وَيُعَضِّدُهُ قِرَاءَةُ مُجَاهِدٍ وَتَثْبِيتًا مِنْ بَعْضِ أَنْفُسِهِمْ وَثَالِثُهَا: أَنَّ النَّفْسَ لَا ثَبَاتَ لَهَا فِي مَوْقِفِ الْعُبُودِيَّةِ، إِلَّا إِذَا صَارَتْ مَقْهُورَةً بِالْمُجَاهَدَةِ، وَمَعْشُوقُهَا أَمْرَانِ: الْحَيَاةُ الْعَاجِلَةُ وَالْمَالُ، فَإِذَا كُلِّفَتْ بِإِنْفَاقِ الْمَالِ فَقَدْ صَارَتْ مقهورة من بعض الوجوه، وإذا كلفت يبذل الرُّوحِ فَقَدْ صَارَتْ مَقْهُورَةً مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ فَلَا جَرَمَ حَصَلَ بَعْضُ التَّثْبِيتِ، فَلِهَذَا دَخَلَ فيه (من) التي هي التبعيض، وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ بَذَلَ مَالَهُ لِوَجْهِ اللَّهِ فَقَدْ ثَبَّتَ بَعْضَ نَفْسِهِ، وَمَنْ بَذَلَ مَالَهُ وَرُوحَهُ مَعًا فَهُوَ الَّذِي ثَبَّتَهَا كُلَّهَا، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ [الصَّفِ: ١١] وَهَذَا الْوَجْهُ ذَكَرَهُ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» ، وَهُوَ كَلَامٌ حَسَنٌ وَتَفْسِيرٌ لَطِيفٌ وَرَابِعُهَا: وَهُوَ الَّذِي خَطَرَ بِبَالِي وَقْتَ كِتَابَةِ هَذَا الْمَوْضِعِ: أَنَّ ثَبَاتَ الْقَلْبِ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِذِكْرِ اللَّهِ عَلَى مَا قَالَ: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرَّعْدِ: ٢٨] فَمَنْ أَنْفَقَ مَالَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ اطْمِئْنَانُ الْقَلْبِ فِي مَقَامِ التَّجَلِّي، إِلَّا إِذَا كَانَ إِنْفَاقُهُ لِمَحْضِ غَرَضِ/ الْعُبُودِيَّةِ، وَلِهَذَا السَّبَبِ حُكِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِي إِنْفَاقِهِ إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً [الْإِنْسَانِ: ٩] وَوَصَفَ إِنْفَاقَ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى، إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ، الْأَعْلى وَلَسَوْفَ يَرْضى [اللَّيْلِ: ١٩، ٢٠، ٢١] فَإِذَا كَانَ إِنْفَاقُ الْعَبْدِ لِأَجْلِ، عُبُودِيَّةِ الْحَقِّ لَا لِأَجْلِ غَرَضِ النَّفْسِ وَطَلَبِ الْحَضِّ. فَهُنَاكَ اطْمَأَنَّ قَلْبُهُ، وَاسْتَقَرَّتْ نَفْسُهُ، وَلَمْ يَحْصُلْ لِنَفْسِهِ مُنَازَعَةٌ مَعَ قَلْبِهِ، وَلِهَذَا قَالَ أَوَّلًا فِي هَذَا الْإِنْفَاقِ إِنَّهُ لطلب مرضات الله، ثم
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.