يَقْتَضِي حِلَّ الرِّبَا كَمَا حَكَمْنَا بِحِلِّ سَائِرِ الْبِيَاعَاتِ لِأَجْلِ دَفْعِ الْحَاجَةِ، فَهَذَا هُوَ شُبْهَةُ الْقَوْمِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَجَابَ عَنْهُ بِحَرْفٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ قَوْلُهُ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا وَوَجْهُ الْجَوَابِ أَنَّ مَا ذَكَرْتُمْ مُعَارَضَةٌ لِلنَّصِّ بِالْقِيَاسِ، وَهُوَ مِنْ عَمَلِ إِبْلِيسَ، فَإِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَمَرَهُ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَارَضَ النَّصَّ بِالْقِيَاسِ، فَقَالَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الأعراف: ١٢] [ص: ٧٦] وَاعْلَمْ أَنَّ نُفَاةَ الْقِيَاسِ يَتَمَسَّكُونَ بِهَذَا الْحَرْفِ، فَقَالُوا: لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالْقِيَاسِ لَكَانَتْ هَذِهِ الشُّبْهَةُ لَازِمَةً، فَلَمَّا كَانَتْ مَدْفُوعَةً عَلِمْنَا أَنَّ الدِّينَ بِالنَّصِّ لَا بِالْقِيَاسِ، وَذَكَرَ الْقَفَّالُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ الْفَرْقَ بَيْنَ الْبَابَيْنِ، فَقَالَ: مَنْ بَاعَ ثَوْبًا يُسَاوِي عَشَرَةً بِعِشْرِينَ فَقَدْ جَعَلَ ذَاتَ/ الثَّوْبِ مُقَابِلًا بِالْعِشْرِينِ، فَلَمَّا حَصَلَ التَّرَاضِي عَلَى هَذَا التَّقَابُلِ صَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُقَابِلًا لِلْآخَرِ فِي الْمَالِيَّةِ عِنْدَهُمَا، فَلَمْ يَكُنْ أَخَذَ مِنْ صَاحِبِهِ شَيْئًا بِغَيْرِ عِوَضٍ، أَمَّا إِذَا بَاعَ الْعَشَرَةَ بِالْعَشَرَةِ فَقَدْ أَخَذَ الْعَشَرَةَ الزَّائِدَةَ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ غَرَضَهُ هُوَ الْإِمْهَالُ فِي مُدَّةِ الْأَجَلِ، لِأَنَّ الْإِمْهَالَ لَيْسَ مَالًا أَوْ شَيْئًا يُشَارُ إِلَيْهِ حَتَّى يَجْعَلَهُ عِوَضًا عَنِ الْعَشَرَةِ الزَّائِدَةِ، فَظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَعِيدَ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِاسْتِحْلَالِهِمُ الرِّبَا دُونَ الْإِقْدَامِ عَلَيْهِ، وَأَكْلِهِ مَعَ التَّحْرِيمِ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَا يَثْبُتُ بِهَذِهِ الْآيَةِ كَوْنُ الرِّبَا مِنَ الْكَبَائِرِ.
فَإِنْ قِيلَ: مُقَدِّمَةُ الْآيَةِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ قِيَامَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُتَخَبِّطِينَ كَانَ بِسَبَبِ أَنَّهُمْ أَكَلُوا الرِّبَا.
قُلْنَا: إِنَّ قَوْلَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْعِلَّةَ لِذَلِكَ التَّخَبُّطِ هُوَ هَذَا الْقَوْلُ وَالِاعْتِقَادُ فَقَطْ، وَعِنْدَ هَذَا يَجِبُ تَأْوِيلُ مُقَدِّمَةِ الْآيَةِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنَ الْأَكْلِ نَفْسَ الْأَكْلِ، وَذَكَرْنَا عَلَيْهِ وُجُوهًا مِنَ الدَّلَائِلِ، فَأَنْتُمْ حَمَلْتُمُوهُ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي الرِّبَا، وَنَحْنُ نَحْمِلُهُ عَلَى اسْتِحْلَالِ الرِّبَا وَاسْتَطَابَتِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَكْلَ قَدْ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الِاسْتِحْلَالِ، يُقَالُ: فُلَانٌ يَأْكُلُ مَالَ اللَّهِ قَضْمًا خصما، أَيْ يَسْتَحِلُّ التَّصَرُّفَ فِيهِ، وَإِذَا حَمَلْنَا الْأَكْلَ عَلَى الِاسْتِحْلَالِ، صَارَتْ مُقَدِّمَةُ الْآيَةِ مُطَابِقَةً لِمُؤَخِّرَتِهَا، فَهَذَا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ الْآيَةِ، إِلَّا أَنَّ جُمْهُورَ الْمُفَسِّرِينَ حَمَلُوا الْآيَةَ عَلَى وَعِيدِ مَنْ يَتَصَرَّفُ فِي مَالِ الرِّبَا، لَا عَلَى وَعِيدِ مَنْ يَسْتَحِلُّ هَذَا الْعَقْدَ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي الْآيَةِ سُؤَالٌ، وَهُوَ أَنَّهُ لِمَ لَمْ يَقُلْ: إِنَّمَا الرِّبَا مِثْلُ الْبَيْعِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ حِلَّ الْبَيْعِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَهُمْ أَرَادُوا أَنْ يَقِيسُوا عَلَيْهِ الرِّبَا، وَمِنْ حَقِّ الْقِيَاسِ أَنْ يُشَبَّهَ مَحَلُّ الْخِلَافِ بِمَحَلِّ الْوِفَاقِ، فَكَانَ نَظْمُ الْآيَةِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّمَا الرِّبَا مِثْلُ الْبَيْعِ، فَمَا الْحِكْمَةُ فِي أَنْ قَلَبَ هَذِهِ الْقَضِيَّةَ، فَقَالَ: إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا.
وَالْجَوَابُ: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَقْصُودُ الْقَوْمِ أَنْ يَتَمَسَّكُوا بِنَظْمِ الْقِيَاسِ، بَلْ كَانَ غَرَضُهُمْ أَنَّ الرِّبَا وَالْبَيْعَ مُتَمَاثِلَانِ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ الْمَطْلُوبَةِ فَكَيْفَ يَجُوزُ تَخْصِيصُ أَحَدِ الْمِثْلَيْنِ بِالْحِلِّ وَالثَّانِي بِالْحُرْمَةِ وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَأَيُّهُمَا قُدِّمَ أَوْ أُخِّرَ جَازَ.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْكَلَامُ مِنْ تَمَامِ كَلَامِ الْكُفَّارِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ قَالُوا: الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا، ثُمَّ إِنَّكُمْ تَقُولُونَ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَكَيْفَ يُعْقَلُ هَذَا؟ يَعْنِي أَنَّهُمَا لَمَّا كَانَا مُتَمَاثِلَيْنِ فَلَوْ حَلَّ أَحَدُهُمَا وَحَرُمَ الْآخَرُ لَكَانَ ذَلِكَ إِيقَاعًا لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْمِثْلَيْنِ، وَذَلِكَ غَيْرُ لائق بحكمة الحكيم فقوله أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.