أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ
[الْكَهْفِ: ٥٠] وَقَالَ: وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ [الْأَنْعَامِ: ١١٢] وَمِنْ خَوَاصِّ الشَّيَاطِينِ كَوْنُهُمْ مَخْلُوقِينَ مِنَ النَّارِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ إِبْلِيسَ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الْأَعْرَافِ: ١٢] وَقَالَ: وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ [الْحِجْرِ: ٢٧] فَأَمَّا الْجِنُّ فَمِنْهُمْ كَافِرٌ وَمِنْهُمْ مُؤْمِنٌ، قَالَ تَعَالَى: وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً [الجن: ١٤] وأما الْإِنْسُ فَلَا شَكَّ أَنَّ لَهُمْ وَالِدًا هُوَ وَالِدُهُمُ الْأَوَّلُ، وَإِلَّا لَذَهَبَ إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ وَالْقُرْآنُ دَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْأَوَّلَ هُوَ آدَمُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا قَالَ تَعَالَى فِي هَذِهِ السُّورَةِ إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران: ٥٩] وقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها [النِّسَاءِ: ١] .
إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْبَشَرَ أَفْضَلُ مِنَ الْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْبَشَرَ أَفْضَلُ أَمِ الْمَلَائِكَةَ، وَقَدِ اسْتَقْصَيْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا [الأعراف: ١١] وَالْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْبَشَرَ أَفْضَلُ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الِاصْطِفَاءَ يَدُلُّ عَلَى مَزِيدِ الْكَرَامَةِ وَعُلُوِّ الدَّرَجَةِ، فَلَمَّا بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّهُ اصْطَفَى آدَمَ وَأَوْلَادَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى كُلِّ الْعَالَمِينَ وَجَبَ أَنْ يَكُونُوا أَفْضَلَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لِكَوْنِهِمْ مِنَ الْعَالَمِينَ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنْ حَمَلْنَا هَذِهِ الآية على تفضيل المذكورين فيها عَلَى كُلِّ الْعَالَمِينَ أَدَّى إِلَى التَّنَاقُضِ لِأَنَّ الْجَمْعَ الْكَثِيرَ إِذَا وُصِفُوا بِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ منهم أفضل من كل العالمين يلزم كون كل واحد منهم أفضل من كل العالمين يلزم كون كل واحد منهم أفضل من الْآخَرِ وَذَلِكَ مُحَالٌ، وَلَوْ حَمَلْنَاهُ عَلَى كَوْنِهِ أَفْضَلَ عَالَمِي زَمَانِهِ أَوْ عَالَمِي جِنْسِهِ لَمْ يَلْزَمِ التَّنَاقُضُ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى دَفْعًا لِلتَّنَاقُضِ وَأَيْضًا قَالَ تَعَالَى فِي صِفَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ [الْبَقَرَةِ: ٤٧] وَلَا يُلْزِمُ كَوْنُهُمْ أَفْضَلَ مِنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ قُلْنَا الْمُرَادُ بِهِ عَالَمُو زَمَانِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَالْجَوَابُ ظَاهِرٌ فِي قَوْلِهِ: اصْطَفَى آدَمَ عَلَى الْعَالَمِينَ، يَتَنَاوَلُ كُلَّ مَنْ يَصِحُّ إِطْلَاقُ لَفْظِ الْعَالَمِ عَلَيْهِ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ الْمَلَكُ، غَايَةُ مَا فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ تُرِكَ الْعَمَلُ بِعُمُومِهِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ لِدَلِيلٍ قَامَ عَلَيْهِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ نَتْرُكَهُ فِي سَائِرِ الصُّوَرِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اصْطَفى فِي اللُّغَةِ اخْتَارَ، فَمَعْنَى: اصْطَفَاهُمْ، أَيْ جَعَلَهُمْ صَفْوَةَ خَلْقِهِ، تَمْثِيلًا بِمَا يُشَاهَدُ مِنَ الشَّيْءِ الَّذِي يُصَفَّى وَيُنَقَّى مِنَ الْكُدُورَةِ، وَيُقَالُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: صَفْوَةٌ، وَصُفْوَةٌ وَصِفْوَةٌ، وَنَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ لِمُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي [الْأَعْرَافِ: ١٤٤] وَقَالَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ [ص: ٤٧] .
إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ. فِي الْآيَةِ قَوْلَانِ الْأَوَّلُ: الْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ اصْطَفَى دِينَ آدَمَ وَدِينَ نُوحٍ فَيَكُونُ الِاصْطِفَاءُ رَاجِعًا إِلَى دِينِهِمْ وَشَرْعِهِمْ وَمِلَّتِهِمْ، وَيَكُونُ هَذَا الْمَعْنَى عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفِ الْمُضَافِ وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُمْ، أَيْ صَفَّاهُمْ مِنَ الصِّفَاتِ الذَّمِيمَةِ، وَزَيَّنَهُمْ بِالْخِصَالِ/ الْحَمِيدَةِ، وَهَذَا الْقَوْلُ أَوْلَى لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّا لَا نَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الْإِضْمَارِ وَالثَّانِي: أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: اللَّهُ أعلم حيث يجعل رسالاته [الْأَنْعَامِ: ١٢٤] وَذَكَرَ الْحَلِيمِيُّ فِي كِتَابِ «الْمِنْهَاجِ» أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونُوا مُخَالِفِينَ لِغَيْرِهِمْ فِي الْقُوَى الْجِسْمَانِيَّةِ، وَالْقُوَى الرُّوحَانِيَّةِ، أَمَّا الْقُوَى الْجِسْمَانِيَّةُ، فَهِيَ إِمَّا مُدْرِكَةٌ، وَإِمَّا مُحَرِّكَةٌ.
أَمَّا الْمُدْرِكَةُ: فَهِيَ إِمَّا الْحَوَاسُّ الظَّاهِرَةُ، وَإِمَّا الْحَوَاسُّ الْبَاطِنَةُ، أَمَّا الْحَوَاسُّ الظَّاهِرَةُ فَهِيَ خَمْسَةٌ أَحَدُهَا: الْقُوَّةُ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.