حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَخَافُوا مِنَ الْفَضِيحَةِ وَامْتَنَعُوا مِنْ إِحْضَارِ التَّوْرَاةِ، فَحَصَلَ عِنْدَ ذَلِكَ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ تُقَوِّي دَلَائِلِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ قَدْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِمْ فِي إِنْكَارِ النَّسْخِ، وَهُوَ لَازِمٌ لَا مَحِيصَ عَنْهُ وَثَانِيهَا: أَنَّهُ ظَهَرَ لِلنَّاسِ كَذِبُهُمْ وَأَنَّهُمْ يَنْسُبُونَ إِلَى التَّوْرَاةِ مَا لَيْسَ فِيهَا تَارَةً، وَيَمْتَنِعُونَ عَنِ الْإِقْرَارِ بِمَا هُوَ فِيهَا أُخْرَى وَثَالِثُهَا: أَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ رَجُلًا أُمِّيًّا لَا يَقْرَأُ وَلَا يَكْتُبُ فَامْتَنَعَ أَنْ يَعْرِفَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ الْغَامِضَةَ مِنْ عُلُومِ التَّوْرَاةِ إِلَّا بِخَبَرِ السَّمَاءِ فَهَذَا وَجْهٌ حَسَنٌ عِلْمِيٌّ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ وَبَيَانِ النَّظْمِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي:
أَنَّ الْيَهُودَ قَالُوا لَهُ: إِنَّكَ تَدَّعِي أَنَّكَ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ، فَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَكَيْفَ تَأْكُلُ لُحُومَ الْإِبِلِ وَأَلْبَانَهَا مَعَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ حَرَامًا فِي دِينِ إِبْرَاهِيمَ فَجَعَلُوا هَذَا الْكَلَامَ شُبْهَةً طَاعِنَةً فِي صِحَّةِ دَعَوَاهُ، فَأَجَابَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِأَنْ قَالَ: ذَلِكَ كَانَ حِلًّا لِإِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، إِلَّا أَنَّ يَعْقُوبَ حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ بِسَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ وَبَقِيَتْ تِلْكَ الْحُرْمَةُ فِي أَوْلَادِهِ فَأَنْكَرَ الْيَهُودُ ذَلِكَ، فَأَمَرَهُمُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِإِحْضَارِ التَّوْرَاةِ وَطَالَبَهُمْ بِأَنْ يَسْتَخْرِجُوا مِنْهَا آيَةً تَدُلُّ عَلَى أَنَّ لُحُومَ الْإِبِلِ وَأَلْبَانَهَا كَانَتْ مُحَرَّمَةً عَلَى إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَعَجَزُوا عَنْ ذَلِكَ وَافْتَضَحُوا فَظَهَرَ عِنْدَ هَذَا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ فِي ادِّعَاءِ حُرْمَةِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ عَلَى إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَنْزَلَ قَوْلَهُ وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ [الْأَنْعَامِ: ١٤٦] وَقَالَ أَيْضًا: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ [النِّسَاءِ: ١٦٠] فَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَى الْيَهُودِ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ جَزَاءً لَهُمْ عَلَى بَغْيِهِمْ وَظُلْمِهِمْ وَقَبِيحِ فِعْلِهِمْ وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنَ الطَّعَامِ حَرَامًا غَيْرَ الطَّعَامِ الْوَاحِدِ الَّذِي حَرَّمَهُ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْيَهُودِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ على أن تلك الأشياء حرمت بعد أنت كَانَتْ مُبَاحَةً، وَذَلِكَ يَقْتَضِي وُقُوعَ النَّسْخِ وَهُمْ يُنْكِرُونَهُ وَالثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا مَوْصُوفِينَ بِقَبَائِحِ الْأَفْعَالِ، فَلَمَّا حَقَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أَنْكَرُوا كَوْنَ حُرْمَةِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مُتَجَدِّدَةً، بَلْ زَعَمُوا أَنَّهَا كَانَتْ مُحَرَّمَةً أَبَدًا، فَطَالَبَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِآيَةٍ مِنَ التَّوْرَاةِ تَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ فَعَجَزُوا عَنْهُ فَافْتَضَحُوا، فَهَذَا وَجْهُ الْكَلَامِ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ وَكُلُّهُ حَسَنٌ مُسْتَقِيمٌ، وَلْنَرْجِعْ إِلَى تَفْسِيرِ الْأَلْفَاظِ.
أَمَّا قَوْلُهُ كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ فَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» كُلُّ الطَّعامِ أَيْ كُلُّ الْمَطْعُومَاتِ أَوْ كُلُّ أَنْوَاعِ الطَّعَامِ وَأَقُولُ:
اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي أَنَّ اللَّفْظَ الْمُفْرَدَ الْمُحَلَّى بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ هَلْ يُفِيدُ الْعُمُومَ أَمْ لَا؟
ذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْأُدَبَاءِ إِلَى أَنَّهُ يُفِيدُهُ، وَاحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ أَحَدُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى أَدْخَلَ لَفْظَ كُلُّ عَلَى لَفْظِ الطَّعَامِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَلَوْلَا أَنَّ لَفْظَ الطَّعَامِ قَائِمٌ مَقَامَ لَفْظِ الْمَطْعُومَاتِ وَإِلَّا لَمَا جَازَ ذَلِكَ وَثَانِيهَا: أَنَّهُ اسْتَثْنَى عَنْهُ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ وَالِاسْتِثْنَاءُ يُخْرِجُ مِنَ الْكَلَامِ/ مَا لَوْلَاهُ لَدَخَلَ، فَلَوْلَا دُخُولُ كُلِّ الْأَقْسَامِ تَحْتَ لَفْظِ الطَّعَامِ وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ وَأَكَّدُوا هَذَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا [الْعَصْرِ: ٢، ٣] وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى وَصَفَ هَذَا اللَّفْظَ الْمُفْرَدَ بِمَا يُوصَفُ بِهِ لَفْظُ الْجَمْعِ، فَقَالَ: وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ رِزْقاً لِلْعِبادِ [ق: ١٠، ١١] فَعَلَى هَذَا مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْمَذْهَبِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى الْإِضْمَارِ الَّذِي ذَكَرَهُ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» ، أَمَّا مَنْ قَالَ إِنَّ الِاسْمَ الْمُفْرَدَ الْمُحَلَّى بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ لَا يُفِيدُ الْعُمُومَ، وَهُوَ الَّذِي نَظَّرْنَاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.