إِلَيْهِ، وَلِهَذَا السَّبَبِ جَاءَ فِي أَدْعِيَةِ الْعَرَبِ: يا رازق النَّعَّابِ فِي عُشِّهِ، فَظَهَرَ بِهَذِهِ الْأَمْثِلَةِ أَنَّ فَضْلَ اللَّهِ عَامٌّ، وَإِحْسَانَهُ شَامِلٌ، وَرَحْمَتَهُ وَاسِعَةٌ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَوَادِثَ عَلَى قِسْمَيْنِ: مِنْهُ مَا يُظَنُّ أَنَّهُ رَحْمَةٌ مَعَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ، بَلْ يَكُونُ فِي الْحَقِيقَةِ عَذَابًا وَنِقْمَةً، وَمِنْهُ مَا يُظَنُّ فِي الظَّاهِرِ أَنَّهُ عَذَابٌ وَنِقْمَةٌ، مَعَ أَنَّهُ يَكُونُ فِي الْحَقِيقَةِ فَضْلًا وَإِحْسَانًا وَرَحْمَةً: أَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: فَالْوَالِدُ إِذَا أَهْمَلَ وَلَدَهُ حَتَّى يَفْعَلَ مَا يَشَاءُ وَلَا يُؤَدِّبُهُ وَلَا يَحْمِلُهُ عَلَى التَّعَلُّمِ، فَهَذَا فِي الظَّاهِرِ رَحْمَةٌ وَفِي الْبَاطِنِ نِقْمَةٌ. وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: كَالْوَالِدِ إِذَا حَبَسَ وَلَدَهُ فِي الْمَكْتَبِ وَحَمَلَهُ عَلَى التَّعَلُّمِ فَهَذَا فِي الظَّاهِرِ نِقْمَةٌ، وَفِي الْحَقِيقَةِ رَحْمَةٌ، وَكَذَلِكَ/ الْإِنْسَانُ إِذَا وَقَعَ فِي يَدِهِ الْآكِلَةُ فَإِذَا قُطِعَتْ تِلْكَ الْيَدُ فَهَذَا فِي الظَّاهِرِ عَذَابٌ، وَفِي الْبَاطِنِ رَاحَةٌ وَرَحْمَةٌ، فَالْأَبْلَهُ يَغْتَرُّ بِالظَّوَاهِرِ، وَالْعَاقِلُ يَنْظُرُ فِي السَّرَائِرِ.
إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَكُلُّ مَا فِي الْعَالَمِ مِنْ مِحْنَةٍ وَبَلِيَّةٍ وَأَلَمٍ وَمَشَقَّةٍ فَهُوَ وَإِنْ كَانَ عَذَابًا وَأَلَمًا فِي الظَّاهِرِ إِلَّا أَنَّهُ حِكْمَةٌ وَرَحْمَةٌ فِي الْحَقِيقَةِ، وَتَحْقِيقُهُ مَا قِيلَ فِي الْحِكْمَةِ: إِنَّ تَرْكَ الْخَيْرِ الْكَثِيرِ لِأَجْلِ الشَّرِّ الْقَلِيلِ شَرٌّ كَثِيرٌ، فَالْمَقْصُودُ مِنَ التَّكَالِيفِ تَطْهِيرُ الْأَرْوَاحِ عَنِ الْعَلَائِقِ الْجَسَدَانِيَّةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ [الْإِسْرَاءِ: ٧] وَالْمَقْصُودُ مِنْ خَلْقِ النَّارِ صَرْفُ الْأَشْرَارِ إِلَى أَعْمَالِ الْأَبْرَارِ، وَجَذْبُهَا مِنْ دَارِ الْفِرَارِ إِلَى دَارِ الْقَرَارِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ [الذَّارِيَاتِ: ٥٠] وَأَقْرَبُ مِثَالٍ لِهَذَا الْبَابِ قِصَّةُ مُوسَى وَالْخَضِرِ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، فَإِنَّ مُوسَى كَانَ يبني الحكم على ظَوَاهِرِ الْأُمُورِ فَاسْتَنْكَرَ تَخْرِيقَ السَّفِينَةِ وَقَتْلَ الْغُلَامِ وَعِمَارَةَ الْجِدَارِ الْمَائِلِ، وَأَمَّا الْخَضِرُ فَإِنَّهُ كَانَ يَبْنِي أَحْكَامَهُ عَلَى الْحَقَائِقِ وَالْأَسْرَارِ فَقَالَ: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً، وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً، فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً، وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [الْكَهْفِ: ٧٩- ٨٢] فَظَهَرَ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّ الْحَكِيمَ الْمُحَقِّقَ هُوَ الَّذِي يَبْنِي أَمْرَهُ عَلَى الْحَقَائِقِ لَا عَلَى الظَّاهِرِ، فَإِذَا رَأَيْتَ مَا يَكْرَهُهُ طَبْعُكَ وَيَنْفِرُ عَنْهُ عَقْلُكَ فَاعْلَمْ أَنَّ تَحْتَهُ أَسْرَارًا خَفِيَّةً وَحِكَمًا بَالِغَةً، وَأَنَّ حِكْمَتَهُ وَرَحْمَتَهُ اقْتَضَتْ ذَلِكَ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَظْهَرُ لَكَ أَثَرٌ مِنْ بِحَارِ أَسْرَارِ قَوْلِهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: الرَّحْمَنُ: اسْمٌ خَاصٌّ بِاللَّهِ، وَالرَّحِيمُ: يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَعَلَى هَذَا: الرَّحْمَنُ أَعْظَمُ: فَلِمَ ذَكَرَ الْأَدْنَى بَعْدَ ذِكْرِ الْأَعْلَى؟.
وَالْجَوَابُ: لِأَنَّ الْكَبِيرَ الْعَظِيمَ لَا يُطْلَبُ مِنْهُ الشَّيْءُ الْحَقِيرُ الْيَسِيرُ، حُكِيَ أَنَّ بَعْضَهُمْ ذَهَبَ إِلَى بَعْضِ الْأَكَابِرِ فَقَالَ: جِئْتُكَ لِمُهِمٍّ يَسِيرٍ فَقَالَ: اطْلُبْ لِلْمُهِمِّ الْيَسِيرِ رَجُلًا يَسِيرًا، كَأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: لَوِ اقْتَصَرْتَ عَلَى ذِكْرِ الرَّحْمَنِ لَاحْتَشَمْتَ عَنِّي وَلَتَعَذَّرَ عَلَيْكَ سُؤَالُ الْأُمُورِ الْيَسِيرَةِ، وَلَكِنْ كَمَا عَلِمْتَنِي رَحْمَانًا تَطْلُبُ مِنِّي الْأُمُورَ الْعَظِيمَةَ، فَأَنَا أَيْضًا رَحِيمٌ، فَاطْلُبْ مِنِّي شِرَاكَ نَعْلِكَ وَمِلْحَ قِدْرِكَ، كَمَا
قَالَ تَعَالَى لِمُوسَى: «يَا مُوسَى سَلْنِي عَنْ مِلْحِ قِدْرِكَ وَعَلَفِ شَاتِكَ» .
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: وَصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ رَحْمَانًا رَحِيمًا، ثُمَّ إِنَّهُ أَعْطَى مَرْيَمَ عَلَيْهَا السَّلَامُ رَحْمَةً وَاحِدَةً حَيْثُ قَالَ: وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا [مَرْيَمَ: ٢١] فَتِلْكَ الرَّحْمَةُ صَارَتْ سَبَبًا لِنَجَاتِهَا مِنْ تَوْبِيخِ/ الْكُفَّارِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.