الْوَجْهُ الرَّابِعُ: الْخَلِيلُ هُوَ الَّذِي يَسُدُّ خَلَلَكَ كَمَا تَسُدُّ خَلَلَهُ، وَهَذَا الْقَوْلُ ضَعِيفٌ لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا كَانَ خَلِيلًا مَعَ اللَّه امْتَنَعَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ يَسُدُّ الْخَلَلَ، ومن هاهنا عَلِمْنَا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَفْسِيرُ الْخَلِيلِ بِذَلِكَ، أَمَّا الْمُفَسِّرُونَ فَقَدْ ذَكَرُوا فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذَا اللَّقَبِ وُجُوهًا: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَمَّا صَارَ الرَّمْلُ الَّذِي أَتَى بِهِ غِلْمَانُهُ دَقِيقًا قَالَتِ امْرَأَتُهُ: هَذَا مِنْ عِنْدِ خَلِيلِكَ الْمِصْرِيِّ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: بَلْ هُوَ مِنْ خَلِيلِيَ اللَّه، وَالثَّانِي: قَالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: هَبَطَ مَلَكٌ فِي صُورَةِ رَجُلٍ وَذَكَرَ اسْمَ اللَّه بِصَوْتٍ رَخِيمٍ شَجِيٍّ فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: اذْكُرْهُ مَرَّةً أُخْرَى، فَقَالَ لَا أَذْكُرُهُ مَجَّانًا، فَقَالَ لَكَ مَالِي كُلُّهُ، فَذَكَرَهُ الْمَلَكُ بِصَوْتٍ أَشْجَى مِنَ الْأَوَّلِ، فَقَالَ: اذْكُرْهُ مَرَّةً ثَالِثَةً وَلَكَ أَوْلَادِي، فَقَالَ الْمَلَكُ: أَبْشِرْ فَإِنِّي مَلَكٌ لَا أَحْتَاجُ إِلَى مَالِكَ وَوَلَدِكَ، وَإِنَّمَا كَانَ الْمَقْصُودُ امْتِحَانَكَ، فَلَمَّا بَذَلَ الْمَالَ وَالْأَوْلَادَ عَلَى سَمَاعِ ذِكْرِ اللَّه لَا جَرَمَ اتَّخَذَهُ اللَّه خَلِيلًا. الثَّالِثُ: رَوَى طَاوُسٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ جِبْرِيلَ وَالْمَلَائِكَةَ لَمَّا دَخَلُوا عَلَى إِبْرَاهِيمَ فِي صُورَةِ غِلْمَانٍ حِسَانِ الْوُجُوهِ وَظَنَّ الْخَلِيلُ أَنَّهُمْ أَضْيَافُهُ وَذَبَحَ لَهُمْ عِجْلًا سَمِينًا وَقُرَّبَهُ إِلَيْهِمْ وَقَالَ كُلُوا عَلَى شَرْطِ أَنْ تُسَمُّوا اللَّه فِي أَوَّلِهِ وَتَحْمَدُوهُ فِي آخِرِهِ، فَقَالَ جِبْرِيلُ أَنْتَ خَلِيلُ اللَّه، فَنَزَلَ هَذَا الْوَصْفُ. وَأَقُولُ: فِيهِ عِنْدِي وَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ جَوْهَرَ الرُّوحِ إِذَا كَانَ مُضِيئًا مُشْرِقًا عُلْوِيًّا قَلِيلَ التَّعَلُّقِ بِاللَّذَّاتِ الْجُسْمَانِيَّةِ وَالْأَحْوَالِ الْجَسَدَانِيَّةِ، ثُمَّ انْضَافَ إِلَى مَثَلِ هَذَا الْجَوْهَرِ الْمُقَدَّسِ الشَّرِيفِ أَعْمَالٌ تَزِيدُهُ صِقَالَةً عَنِ الْكُدُورَاتِ الْجُسْمَانِيَّةِ وَأَفْكَارٌ تَزِيدُهُ اسْتِنَارَةً بِالْمَعَارِفِ الْقُدْسِيَّةِ وَالْجَلَايَا الْإِلَهِيَّةِ، صَارَ مِثْلُ هَذَا الْإِنْسَانِ مُتَوَغِّلًا فِي عَالَمِ الْقُدُسِ وَالطَّهَارَةِ مُتَبَرِّئًا عَنْ عَلَائِقِ الْجِسْمِ وَالْحِسِّ، ثُمَّ لَا يَزَالُ هَذَا الْإِنْسَانُ يَتَزَايَدُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ الشَّرِيفَةِ إِلَى أَنْ يَصِيرَ بِحَيْثُ لَا يَرَى إِلَّا اللَّه، وَلَا يَسْمَعُ إِلَّا اللَّه، وَلَا يَتَحَرَّكُ إِلَّا باللَّه، وَلَا يَسْكُنُ إِلَّا باللَّه، وَلَا يَمْشِي إِلَّا باللَّه، فَكَأَنَّ نُورَ جَلَالِ اللَّه قَدْ سَرَى فِي جَمِيعِ قُوَاهُ الْجُسْمَانِيَّةِ وَتَخَلَّلَ فِيهَا وَغَاصَ فِي جَوَاهِرِهَا، وَتَوَغَّلَ فِي مَاهِيَّاتِهَا، فَمِثْلُ هَذَا الْإِنْسَانِ هُوَ الْمَوْصُوفُ حَقًّا بِأَنَّهُ خَلِيلٌ لِمَا أَنَّهُ تَخَلَّلَتْ مَحَبَّةُ اللَّه فِي جَمِيعِ قُوَاهُ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ
بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دُعَائِهِ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا وَفِي سَمْعِي نُورًا وَفِي بَصَرِي نُورًا وَفِي عَصَبِي نُورًا» .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَالَ بَعْضُ النَّصَارَى: لَمَّا جَازَ إِطْلَاقُ اسْمِ الخليل على إنسان معنى عَلَى سَبِيلِ الْإِعْزَازِ وَالتَّشْرِيفِ، فَلِمَ لَا يَجُوزُ إِطْلَاقُ اسْمِ الِابْنِ فِي حَقِّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى سَبِيلِ الْإِعْزَازِ وَالتَّشْرِيفِ.
وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْفَرْقَ أَنَّ كَوْنَهُ خَلِيلًا عِبَارَةٌ عَنِ الْمَحَبَّةِ الْمُفْرِطَةِ، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي الْجِنْسِيَّةَ، أَمَّا/ الِابْنُ فَإِنَّهُ مُشْعِرٌ بِالْجِنْسِيَّةِ، وَجَلَّ الْإِلَهُ عَنْ مُجَانَسَةِ الْمُمْكِنَاتِ وَمُشَابَهَةِ الْمُحْدَثَاتِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً وَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي تَعَلُّقِ هَذِهِ الْآيَةِ بِمَا قَبْلَهَا، وَفِيهِ وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَتَّخِذِ اللَّه إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا لِاحْتِيَاجِهِ إِلَيْهِ فِي أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ كَمَا تَكُونُ خُلَّةُ الآدميين، وكيف يعقل ذلك وله ملك السموات وَالْأَرْضِ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ، فَكَيْفَ يُعْقَلُ أَنْ يَكُونَ مُحْتَاجًا إِلَى الْبَشَرِ الضَّعِيفِ، وَإِنَّمَا اتَّخَذَهُ خَلِيلًا بِمَحْضِ الْفَضْلِ وَالْإِحْسَانِ وَالْكَرَمِ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مُخْلِصًا فِي الْعُبُودِيَّةِ لَا جَرَمَ خَصَّهُ اللَّه بِهَذَا التَّشْرِيفِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ كَوْنَهُ خَلِيلًا يُوهِمُ الْجِنْسِيَّةَ فَهُوَ سُبْحَانُهُ أَزَالَ وَهْمَ الْمُجَانَسَةِ وَالْمُشَاكَلَةِ بِهَذَا الْكَلَامِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ أَنْوَاعًا كَثِيرَةً مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، فَبَيَّنَ هاهنا أَنَّهُ إِلَهُ الْمُحْدَثَاتِ وَمُوجِدُ الْكَائِنَاتِ وَالْمُمْكِنَاتِ، وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ كَانَ مَلِكًا مُطَاعًا فَوَجَبَ عَلَى كُلِّ عَاقِلٍ أَنْ يَخْضَعَ لِتَكَالِيفِهِ وَأَنْ يَنْقَادَ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.