وَالْأَمْرَاضِ وَالْآلَامِ، فَإِذَا حَمَلْنَا قَوْلَهُ: خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ على هذا الوجه لم يدخل تحت أَعْمَالُ الْعِبَادِ. قَالُوا:
فَثَبَتَ أَنَّ هَذِهِ الدَّلَائِلَ الْأَرْبَعَةَ تُوجِبُ خُرُوجَ أَعْمَالِ الْعِبَادِ عَنْ عُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ.
وَالْجَوَابُ: أَنَّا نَقُولُ الدَّلِيلُ الْعَقْلِيُّ الْقَاطِعُ قَدْ سَاعَدَ عَلَى صِحَّةِ ظَاهِرِ هَذِهِ الْآيَةِ. وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الْفِعْلَ مَوْقُوفٌ عَلَى الدَّاعِي وَخَالِقُ الدَّاعِي هُوَ اللَّه تَعَالَى، وَمَجْمُوعُ الْقُدْرَةِ مَعَ الدَّاعِي يُوجِبُ الْفِعْلَ وَذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَهُ تَعَالَى خَالِقًا لِأَفْعَالِ الْعِبَادِ، وَإِذَا تَأَكَّدَ هَذَا الظَّاهِرُ بِهَذَا الْبُرْهَانِ الْعَقْلِيِّ الْقَاطِعِ زَالَتِ الشُّكُوكُ وَالشُّبُهَاتُ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ يَدُلُّ عَلَى تَرْتِيبِ الْأَمْرِ بِالْعِبَادَةِ عَلَى كَوْنِهِ تَعَالَى خَالِقًا لِكُلِّ الْأَشْيَاءِ بِفَاءِ التَّعْقِيبِ وَتَرْتِيبُ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ بِحَرْفِ الْفَاءِ مُشْعِرٌ بِالسَّبَبِيَّةِ، فَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ كَوْنُهُ تَعَالَى خَالِقًا لِلْأَشْيَاءِ هُوَ الْمُوجِبَ لِكَوْنِهِ مَعْبُودًا عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَالْإِلَهُ/ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْمَعْبُودِيَّةِ، فَهَذَا يُشْعِرُ بِصِحَّةِ مَا يَذْكُرُهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا مِنْ أَنَّ الْإِلَهَ عِبَارَةٌ عَنِ الْقَادِرِ عَلَى الْخَلْقِ وَالْإِبْدَاعِ وَالْإِيجَادِ وَالِاخْتِرَاعِ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: احْتَجَّ كَثِيرٌ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ بِقَوْلِهِ: خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ عَلَى نَفْيِ الصِّفَاتِ، وَعَلَى كَوْنِ الْقُرْآنِ مَخْلُوقًا. أَمَّا نَفْيُ الصِّفَاتِ فَلِأَنَّهُمْ قَالُوا: لَوْ كَانَ تَعَالَى عَالِمًا بِالْعِلْمِ قَادِرًا بِالْقُدْرَةِ، لَكَانَ ذَلِكَ الْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ إِمَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمَا قَدِيمَانِ. أَوْ مُحْدَثَانِ، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ. لِأَنَّ عُمُومَ قَوْلِهِ: خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ يَقْتَضِي كَوْنَهُ خَالِقًا لِكُلِّ الْأَشْيَاءِ أَدْخَلْنَا التَّخْصِيصَ فِي هَذَا الْعُمُومِ بِحَسَبِ ذَاتِهِ تَعَالَى ضَرُورَةَ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ خَالِقًا لِنَفْسِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَبْقَى عَلَى عُمُومِهِ فِيمَا سِوَاهُ، وَالْقَوْلُ بِإِثْبَاتِ الصِّفَاتِ الْقَدِيمَةِ يَقْتَضِي مَزِيدَ التَّخْصِيصِ فِي هَذَا الْعُمُومِ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ. وَالثَّانِي: وَهُوَ الْقَوْلُ بِحُدُوثِ عِلْمِ اللَّه وَقُدْرَتِهِ. فَهُوَ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ افْتِقَارُ إِيجَادِ ذَلِكَ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ إِلَى سَبْقِ عِلْمٍ آخَرَ وَقُدْرَةٍ أُخْرَى، وَأَنَّ ذَلِكَ مُحَالٌ. وَأَمَّا تَمَسُّكُهُمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى كَوْنِ الْقُرْآنِ مَخْلُوقًا. فَقَالُوا: الْقُرْآنُ شَيْءٌ وَكُلُّ شَيْءٍ فَهُوَ مَخْلُوقٌ للَّه تَعَالَى بِحُكْمِ هَذَا الْعُمُومِ. فَلَزِمَ كَوْنُ الْقُرْآنِ مَخْلُوقًا للَّه تَعَالَى أَقْصَى مَا فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ هَذَا الْعُمُومَ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ فِي ذَاتِ اللَّه تَعَالَى، إِلَّا أَنَّ الْعَامَّ الْمَخْصُوصَ حُجَّةٌ فِي غَيْرِ مَحَلِّ التَّخْصِيصِ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّ دُخُولَ هَذَا التَّخْصِيصِ فِي هَذَا الْعُمُومِ لَمْ يَمْنَعْ أَهْلَ السُّنَّةِ مِنَ التَّمَسُّكِ بِهِ فِي إِثْبَاتِ أَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ للَّه تَعَالَى.
وَجَوَابُ أَصْحَابِنَا عَنْهُ: أَنَّا نُخَصِّصُ هَذَا الْعُمُومَ بِالدَّلَائِلِ الدَّالَّةِ عَلَى كَوْنِهِ تَعَالَى عَالِمًا بِالْعِلْمِ قَادِرًا بِالْقُدْرَةِ، وَبِالدَّلَائِلِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ كَلَامَ اللَّه تَعَالَى قَدِيمٌ.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ الْمُرَادُ مِنْهُ أَنْ يَحْصُلَ لِلْعَبْدِ كَمَالُ التَّوْحِيدِ وَتَقْرِيرُهُ، وَهُوَ أَنَّ الْعَبْدَ وَإِنْ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَأَنَّهُ لَا مُدَبِّرَ إِلَّا اللَّه تَعَالَى، إِلَّا أَنَّ هَذَا الْعَالَمَ عَالَمُ الْأَسْبَابِ.
وَسَمِعْتُ الشَّيْخَ الْإِمَامَ الزَّاهِدَ الْوَالِدَ رَحِمَهُ اللَّه يَقُولُ: لَوْلَا الْأَسْبَابُ لَمَا ارْتَابَ مُرْتَابٌ. وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَقَدْ يُعَلِّقُ الرَّجُلُ الْقَلْبَ بِالْأَسْبَابِ الظَّاهِرَةِ، فَتَارَةً يَعْتَمِدُ عَلَى الْأَمِيرِ، وَتَارَةً يَرْجِعُ فِي تَحْصِيلِ مُهِمَّاتِهِ إِلَى الْوَزِيرِ، فَحِينَئِذٍ لَا يَنَالُ إِلَّا الْحِرْمَانَ وَلَا يَجِدُ إِلَّا تَكْثِيرَ الْأَحْزَانِ، وَالْحَقُّ تَعَالَى قَالَ: وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ وَالْمَقْصُودُ أَنْ يَعْلَمَ الرَّجُلُ أَنَّهُ لَا حَافِظَ إِلَّا اللَّه، وَلَا مُصْلِحَ لِلْمُهِمَّاتِ إِلَّا اللَّه، فَحِينَئِذٍ يَنْقَطِعُ طَمَعُهُ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، وَلَا يَرْجِعُ فِي مُهِمٍّ مِنَ الْمُهِمَّاتِ إِلَّا إليه.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.