[الأعراف: ٥٩] وَقَالَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ [المؤمنون: ٣٢] وَالْفَرْقُ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ أَنَّ قَبْلَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يَظْهَرْ فِي الْعَالَمِ مِثْلُ تِلْكَ الْوَاقِعَةِ الْعَظِيمَةِ وَهِيَ الطُّوفَانُ الْعَظِيمُ فَلَا جَرَمَ أَخْبَرَ نُوحٌ عَنْ تِلْكَ الْوَاقِعَةِ فَقَالَ: إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ وَأَمَّا وَاقِعَةُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَدْ كَانَتْ مَسْبُوقَةً بِوَاقِعَةِ نُوحٍ وَكَانَ عِنْدَ النَّاسِ عِلْمٌ بِتِلْكَ الْوَاقِعَةِ قَرِيبًا فَلَا جَرَمَ اكْتَفَى هُودٌ بِقَوْلِهِ: أَفَلا تَتَّقُونَ وَالْمَعْنَى تَعْرِفُونَ أَنَّ قَوْمَ نُوحٍ لَمَّا لم يتقوا لله وَلَمْ يُطِيعُوهُ نَزَلَ بِهِمْ ذَلِكَ الْعَذَابُ الَّذِي اشْتَهَرَ خَبَرُهُ فِي الدُّنْيَا فَكَانَ قَوْلُهُ: أَفَلا تَتَّقُونَ إِشَارَةً إِلَى التَّخْوِيفِ بِتِلْكَ الْوَاقِعَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ الْمَشْهُورَةِ فِي الدُّنْيَا.
وَالْفَرْقُ الثَّالِثُ: قَالَ تَعَالَى فِي قِصَّةِ نُوحٍ: قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ [الأعراف: ٦٠] وَقَالَ فِي قِصَّةِ هُودٍ:
قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ وَالْفَرْقُ أَنَّهُ كَانَ فِي أَشْرَافِ قَوْمِ هُودٍ مَنْ آمَنَ بِهِ مِنْهُمْ مَرْثَدُ بْنُ سَعْدٍ أَسْلَمَ وَكَانَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ فَأُرِيدَتِ التَّفْرِقَةُ بِالْوَصْفِ وَلَمْ يَكُنْ فِي أَشْرَافِ قَوْمِ نُوحٍ مُؤْمِنٌ.
وَالْفَرْقُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ تَعَالَى حَكَى عَنْ قَوْمِ نُوحٍ أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ وَحَكَى عَنْ قَوْمِ هُودٍ أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ أَنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يُخَوِّفُ الْكُفَّارَ بِالطُّوفَانِ الْعَامِّ وَكَانَ أَيْضًا مُشْتَغِلًا بِإِعْدَادِ السَّفِينَةِ وَكَانَ يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يُتْعِبَ نَفْسَهُ فِي إِعْدَادِ السَّفِينَةِ فَعِنْدَ هَذَا الْقَوْمُ قَالُوا: إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الأعراف: ٦٠] وَلَمْ يَظْهَرْ شَيْءٌ مِنَ الْعَلَامَاتِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى ظُهُورِ الْمَاءِ فِي تِلْكَ الْمَفَازَةِ أَمَّا هُودٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَمَا ذَكَرَ شَيْئًا/ إِلَّا أَنَّهُ زَيَّفَ عِبَادَةَ الْأَوْثَانِ وَنَسَبَ مَنِ اشْتَغَلَ بِعِبَادَتِهَا إِلَى السَّفَاهَةِ وَقِلَّةِ الْعَقْلِ فَلَمَّا ذَكَرَ هُودٌ هَذَا الْكَلَامَ فِي أَسْلَافِهِمْ قَابَلُوهُ بِمِثْلِهِ وَنَسَبُوهُ إِلَى السَّفَاهَةِ ثُمَّ قَالُوا: وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ فِي ادِّعَاءِ الرِّسَالَةِ وَاخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ هَذَا الظَّنِّ فَقَالَ بَعْضُهُمْ:
الْمُرَادُ مِنْهُ الْقَطْعُ وَالْجَزْمُ وَوُرُودُ الظَّنِّ بِهَذَا الْمَعْنَى فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ قَالَ تَعَالَى: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ [الْبَقَرَةِ: ٤٦] وَقَالَ الْحَسَنُ وَالزَّجَّاجُ: كَانَ تَكْذِيبُهُمْ إِيَّاهُ عَلَى الظَّنِّ لَا عَلَى الْيَقِينِ فَكَفَرُوا بِهِ ظَانِّينَ لَا مُتَيَقِّنِينَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حُصُولَ الشَّكِّ وَالتَّجْوِيزِ فِي أُصُولِ الدِّينِ يُوجِبُ الْكُفْرَ.
وَالْفَرْقُ الْخَامِسُ: بَيْنَ الْقِصَّتَيْنِ أَنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [الأعراف: ٦٢] وَأَمَّا هُودٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ: أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ فَنُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: أَنْصَحُ لَكُمْ وَهُوَ صِيغَةُ الْفِعْلِ وَهُودٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ وَهُوَ صِيغَةُ اسْمِ الْفَاعِلِ وَنُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ وَهُودٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ زَادَ فِيهِ كَوْنَهُ أَمِينًا وَالْفَرْقُ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ أَنَّ الشَّيْخَ عَبْدَ الْقَاهِرِ النَّحْوِيَّ ذَكَرَ فِي كِتَابِ دَلَائِلِ الْإِعْجَازِ أَنَّ صِيغَةَ الْفِعْلِ تَدُلُّ عَلَى التَّجَدُّدِ سَاعَةً فَسَاعَةً وَأَمَّا صِيغَةُ اسْمِ الْفَاعِلِ فَإِنَّهَا دَالَّةٌ عَلَى الثَّبَاتِ وَالِاسْتِمْرَارِ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ.
وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: إِنَّ الْقَوْمَ كَانُوا يُبَالِغُونَ فِي السَّفَاهَةِ عَلَى نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ ثُمَّ إِنَّهُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي كَانَ يَعُودُ إِلَيْهِمْ وَيَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ذَلِكَ فَقَالَ: رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً [نُوحٍ: ٥] فَلَمَّا كَانَ مِنْ عَادَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْعَوْدُ إِلَى تَجْدِيدِ تِلْكَ الدَّعْوَةِ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَفِي كُلِّ سَاعَةٍ لَا جَرَمَ ذَكَرَهُ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ فَقَالَ: وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَمَّا هُودٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَوْلُهُ: وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ مُثَبَّتًا فِي تِلْكَ النَّصِيحَةِ مُسْتَقِرًّا فِيهَا. أَمَّا لَيْسَ فِيهَا إِعْلَامٌ بِأَنَّهُ سَيَعُودُ إِلَى ذِكْرِهَا حَالًا فَحَالًا وَيَوْمًا فَيَوْمًا وَأَمَّا الْفَرْقُ الْآخَرُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَهُوَ أَنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ وَهُودًا وَصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.